انطوان مقدسي.. رجل تنوير في عصر انتشار الظلام والتخلف

انطوان مقدسي، شيخ المثقفين السوريين، المتزهد معرفياً ومادياً، عاش حياة متواضعة، وقدّم لأجيال كاملة تاريخاً من المعرفة والثقافة والاطلاع، كان محارباً لا مباشراً لكل أنواع أنظمة الحكم التي حاولت تجهيل الناس وقمعهم.

55
الأيام السورية؛ خالد علوش

(باختصار يا سيدي، إن الوضع هو انهيار عام، سياسي، واقتصادي، وثقافي، وإنساني. كفانا من الكلام الفضفاض.. مكاسب الشعب. انجازات الشعب. إرادة الشعب. إن الشعب يا سيدي غائب تماماً ومنذ زمن طويل. إرادته مشلولة، تقوم اليوم على تحقيق هدفين: الأول خاص هو أن يعمل ليلاً ونهاراً كي يضمن قوت أولاده, والثاني عام أن يفعل ما يُطلب منه وأن يتبنى السلوك الذي يُطلب منه. إن الذي يعصم هذا الشعب من الانهيار والدمار أنه مازال يتعايش مع أوضاعه المتردّية، تعايش المريض مع مرضه المزمن).

الديكتاتور لا يُخلف سوى ديكتاتور

على ذلك النحو كتب انطوان مقدسي في عام 2000 رسالته إلى بشار الأسد بعد استلامه لزمام السلطة في سوريا بأشهر، محاولاً أن يتوسّم خيراً بذلك الرئيس. لكن رسالة مقدسي كانت سبباً في إحالته من منصبه الذي شغره كمفكر وفيلسوف في وزارة الثقافة لمدة 35 عاماً. حينها أدرك مقدسي وقبل وفاته بخمسة أعوام، أن الديكتاتور لا يُخلف سوى ديكتاتور.

الولادة والنشأة والدراسة

وُلد انطوان مقدسي في يبرود (دمشق) عام 1914، من عائلة مسيحية. حيث كان البِكر في عائله لثلاثة أخوة آخرين. درس الابتدائية في مدرسة يبرود الأسقفية، وقسماً من الثانوية في يبرود وبعد ذلك في دمشق بين عامي 1933 – 1934. نشر أولى مقالاته في السابعة عشر من عمره في لبنان، كما بدأ الكتابة الأدبية عام 1938.

أخذ مقدسي دراسة الحقوق في جامعة دمشق، حيث لم يكملها، فقد اتخذ قراراً بالسفر إلى فرنسا لدراسة الفلسفة الاغريقية وعلم الاجتماع، حيث حصل على إجازة في الفلسفة وشهادة في الأدب الفرنسي من جامعة مونبيلييه، وبعد تحصيله العلمي عاد إلى سوريا حيث درّس الفلسفة في مدارس حمص وحماه ودمشق، كما درّس علم النفس والتربية في دار المعلمين بحلب.

كتب مقدسي في عام 2000 رسالته إلى بشار الأسد متوسماً خيراً بذلك الرئيس. لكن رسالة مقدسي كانت سبباً في إحالته على التقاعد من وزارة الثقافة لدرك حينها، وقبل وفاته بخمسة أعوام، أن الديكتاتور لا يُخلف سوى ديكتاتور.

العمل السياسي

وتلك المرحلة كانت بداية مقدسي للعمل السياسي، حث كان صديقاً لزكي الأرسوزي والتقى عدة مرات بساطع الحصري، إضافة لإكماله دراسة الحقوق، حيث حصل على إجازة فيها وأخرى في العلوم السياسية، من مدرسة الحقوق الفرنسية في بيروت.

كما درّس الفلسفة اليونيانية لمدة عشرين عاماً في جامعة دمشق، وعمل في تدريس الفلسفة السياسية في معهد العلوم السياسة لأربع سنوات. ويُعد مقدسي أحد أهم المفكرين الذين كان له دور في نشر الفلسفة اليونانية في الوطن العربي.

اتخذ عمله السياسي موقفاً عروبياً في البداية، حيث كان أحد أعلام المدافعين عن استقلال البلاد ونصرة القضية الفلسطينية، كما لعب دوراً مهماً في الحركة الشعبية أواخر الأربعينيات، والتي أدت لإيقاظ الفلاحين وتوعيتهم بحقوقهم وأهمية دورهم في الحياة العامة. وأسس إلى جانب أكرم الحوراني حزب الاتحاد الاشتراكي، ووضع دستوره ونظامه الاشتراكي.

وفي عام 1953 حيث اندمج حزب الاتحاد الاشتراكي مع حزب البعث العربي، ليصير اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي، كان أحد الذين كتبوا وثيقة الاندماج، لكن عند وصول الحزب ليستلم السلطة في سوريا، انسحب منه مقدسي وغادر العمل السياسي نهائياً ليتفرّغ لعمله الفكري، فبدأ يكتب دراسات فكرية وفلسفية وتاريخية. وفي تلك الفترة ارتبط مع زوجته لوريس بحياة أقرب إلى الزهد الحياتي في حي ركن الدين في دمشق، ثم استقر نهائياً في الشعلان مع أبنائه الثلاثة.

أنطوان مقدسي (القدس العربي)

إنجازه الثقافي

يتميز إنجاز مقدسي وبالأخص في المجال الثقافي أنه قد تفرّغ للعمل بوزارة الثقافة، حيث كان مسؤولاً عن مديرية الترجمة والتأليف، منذ عام 1965 حتى عام 2000، كما اشترك في تأسيس اتحاد الكتاب العرب عام 1969.

استطاع أن يجعل من إصدارات وزارة الثقافة أهم إصدارات الكتب في الوطن العربي، حيث أدخل الحداثة إلى نوعية الموضوعات، كما أدخل كافة التيارات الفكرية والنقدية الحديثة إلى سوريا، وعمل على ترجمة أهم الكلاسيكيات الفكرية والفلسفية والاقتصادية والروائية.

تمكنت مديرية الترجمة والتأليف بقيادة مقدسي من ترجمة أكثر من أهم 3000 كتاب في مختلف العلوم الإنسانية. وعلى هذا الأساس اُعتبر مقدسي من أهم وألمع المثقفين العرب المعاصرين.

المؤلفات والكتب

كانت مؤلفات مقدسي الصحفية (كمقالات) تتجاوز في عدد صفحاتها المئة، أي أنها تصلح لأن تكون كل واحدة منها كتاباً منفرداً وشاملاً، لكن المقدسي بقي مُصرّاً على بقائها طي المجلات المتخصصة، ورفض نشر أي منها في كتاب مستقل، كونها جميعها بحسب رأيه بحاجة إلى مراجعة وتدقيق.

لكن أول الكتب التي صدرت للمقدسي دون علمه كانت عن طريق دار الريس للنشر عام 1992، هو في أساسه مقالة كتبها المقدسي لمجلة الناقد ونشرتها الدار بكتاب حمل عنوان (حرب الخليج، اختراق الجسد العربي).

استطاع أن يجعل من إصدارات وزارة الثقافة أهم إصدارات الكتب في الوطن العربي، حيث أدخل الحداثة إلى نوعية الموضوعات، كما أدخل كافة التيارات الفكرية والنقدية الحديثة إلى سوريا، وعمل على ترجمة أهم الكلاسيكيات الفكرية والفلسفية والاقتصادية والروائية.

أُصدرت فيما بعد بعض الكتب له وهي” (فاسا جيليزنوفا لمكسيم غوركي وترجمة مقدسي، مبادئ الفلسفة: مشكلة المعرفة كتأليف، الصوفانية تأملات المقدسي، دراسات مهداة إلى انطوان مقدسي شارك فيها مقدسي بمقالة تعادل مئة صفحة بعنوان إشكالية الأمة. والحب في الفلسفة اليونانية والمسيحية، كانت مجموعة محاضرات تُدرّس في قسم الفلسفة السنة الثالثة عامي 1953 – 1954).

فيلسوف حداثي

بالرغم من أن انطوان مقدسي لم يُركز كثيراً في مجال إنجازاته ككتب، ليُقدّم نفسه كفيلسوف حداثي مثل أقرانه، واكتفى بتواجده كمفكر وصحفي نقدي، ومُساهم بنشر المعرفة أكثر من تحليلها، لكن ذلك لم يمنع تلك الكتابات الصحفية من أن تكون جوهر لفلسفة عميقة فعلياً.

لا يمكننا الإحاطة بالجوانب المتعددة التي فكّر فيها مقدسي وكتبها، فهو أسس لنقد الفكر الاقتصادي والسياسي والأدبي والمجتمعي بشكل عام. وسأحاول أن أركز على بعض أهم الجوانب من أفكاره، وأسلوب تعاطيه معها.

الموقف النقدي

اتخذ انطوان موقفاً نقدياً من كل شيء بما في ذلك أفكاره وإبداعاته الخاصة، فكان يُخضع ما ينتجه من كتابات دائماً لموقع النقد والبحث عن عمل مكتمل غير ناقص، فكان دائم التشكيك بأن هناك في مقالاته مثلاً ما هو مختفي عن رؤيته.

تلك الريبية الدائمة لم تكن في أصلها لعدم الثقة بقدر ما هي السعي أن لا يقدم شيئاً غير مكتمل، فكان يخاف من تقديم معلومة تضر في فهم الأخر لتلك المعلومة. فكان حريصاً جداً على ذلك الأمر.

يُعتبر أنه مثال للرجل المجتهد، فلم يكتفِ يوماً بما حققه من إنجاز أو معرفة، وكان دائم السعي لكل معلومة جديدة، ويواكب كل ما يُطبع في أوروبا وأمريكا، ليأخذ الشيء المُفيد لتقديمه مترجماً للناس.

الاجتهاد

ذلك الاجتهاد هو بحد ذاته يمكن اعتباره جوهر فلسفته الخاصة، التي لم تتوقف عند ما يراه ويقتنع به هو فقط، بل تعداها من منظور المعرفة التي يجب إيصالها للناس. فعمل على ترجمة أعمال الفيلسوف كارل ماركس رغم أنه لم يؤمن به يوماً.

اتخذ انطوان موقفاً نقدياً من كل شيء بما في ذلك أفكاره وإبداعاته الخاصة، فكان يُخضع ما ينتجه من كتابات دائماً لموقع النقد والبحث عن عمل مكتمل غير ناقص، فكان دائم التشكيك بأن هناك في مقالاته مثلاً ما هو مختفي عن رؤيته.

تلك الحيادية في التعامل مع المعرفة، فرضت احترام الجميع لمقدسي، بالإضافة أنه شخصياً استطاع الإلمام بكل نوع فكري يتفق معه أم يعارضه. ذلك الانفتاح العقلي هو جوهر رؤاه وعمقه الذي سيظل أبداً كمثال حي عن السعي لخلق مجتمع يشبه بوعيه وعي المقدسي.

وبرغم ابتعاد المقدسي عن حقل السياسة منذ زمن طويل، لكن معرفته ومحاولة البناء للوعي المجتمعي، تركت لديه أثاراً تواصلية مع الفعل السياسي حتى لو كان بعيداً عنه، وهذا أحد الأشكال التي خلقت من انطوان رجلاً مُهاب الجانب من قبل السلطات الحاكمة، فعندما يجتمع الوعي المنفتح الثقافي بالنقد السياسي العربي أو الدولي أو المحلي، فذلك يكون أخطر الأشكال الفكرية التي تخشاها أنظمة الحكم، لأنها تخلق مزيجاً غير مباشر في توعية الناس.

وتجلى ذلك فعلياً بعد وفاة حافظ الأسد، وتولي بشار زمام الحكم، ومع بداية ربيع دمشق، ظهرت رغبة المقدسي وفهمه العميق لما يعانيه البلد، ووجه رسالة مطولة لبشار الأسد، كانت بمثابة الورقة التي أدت لمحاولة عزل المقدسي من الحقل الثقافي، وكان بالإمكان لسلطة الحكم القضاء عليه لولا المكانة الرفيعة والتاريخية التي حظي بها.

أنطوان مقدسي في مكتبه (ميدل ايست)

عبّر المقدسي ذات يوم بعد تخليه عن السياسة ساخراً.. (وجه الشبه بين البعث الأول وبينه اليوم، كوجه الشبه بين مجموعة نجوم الدب الأكبر وبين الدب العادي). فإحدى أسباب ابتعاده عن السياسة هو تولي الجيش شؤون البلاد وحل الأحزاب عام 1958.

أخيراً يمكن لنا شرح حياة المقدسي وفكره، بجمل بسيطة.. أن ذلك الرجل المتزهد معرفياً ومادياً، عاش حياة متواضعة وقدّم لأجيال كاملة تاريخاً من المعرفة والثقافة والاطلاع، وكان محارباً لا مباشراً لكل أنواع أنظمة الحكم التي حاولت تجهيل الناس وقمعهم.

كان مقدسي بحق رجل تنوير في عصر حديث حاول نشر الظلام والتخلف. وما لُقب به أنه شيخ المثقفين السوريين هو أقل ما يمكن قوله عنه.

الجوائز

حصل المقدسي على عدة جوائز منها، جائزة وزارة الثقافة السورية عام 2002، وجائزة الأمر كلاوس عام 2001، كما منحته وزارة الثقافة الفرنسية جائزة “عامل” في حقل الإبداع الأدبي والفكري لمساهمته في نشر الثقافة في فرنسا والعالم عام 2003.

وفاته

توفي مقدسي في عام 2005 في مشفى الطب الجراحي بدمشق، وكانت وصيته أن لا تكون جنازته بسيطة، تخلو من المراسم والرسميات، وأن يحضرها الناس بصفتهم أصدقاء له وحسب.

مصدر الأستاذ أنطوان مقدسي، إعداد وتقديم علي القيم وزارة الثقافة السورية، صحيفة كلنا سوريون موقع معابر، موقع الباحثون
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.