انحطاط سلطات الدول.. تركنا لكم عهر السياسة فاتركوا لنا الثقافة

من ينتمي لأي شكل من أشكال السلطة هو ذو تفكير ضحل ولا يمكن أصلاً أن ينتمي للحرية، إنه لا ينتمي إلا للسلطة التي تجبره أن يعمل لصالحها، فكيف يمكن أن يعبّر عن تطلعات مثالية تحقق العدالة للناس البؤساء وهو من يضطهدهم؟.

الأيام السورية؛ علي الأعرج
علي الأعرج

هناك الكثير من المظاهر التي تعبّر عن انحطاط سلطات الدول، ورموزها السياسية وتابعيهم من رجالات الدين والاقتصاد، وهذه النماذج الانحطاطية كثيرة وخاصة في الشرق الأوسط التي ابتلاها الله بمجموعة من الرؤوساء السفلة وحلفائهم العاهرين، علمانيين أم متدينين أم عسكريين، بالمختصر حلفاء من كل نوع إلا أن يكونوا مدنيين يحترمون المجتمع وحريته الشخصية والثقافية ويحترمون الفكر الدستوري.. طبعاً احترام الفكر الدستوري غير احترام الدستور، فمثلاً بشار الأسد وحلفائه الأخوان الدينيين الإيرانيين أم الأخوان الملحدين الروس، جميعهم يحترمون الدستور السوري المفصّل على مقاس ذاك البشار.. المسألة مختلفة في احترام الفكر الدستوري.

بعيداً عن ذلك، فمؤخراً ظهر ابتكار جديد لانحطاط السلطات ورموزهم، ومنها رواية تشيللو لتركي آل الشيخ، المقرب من ولي العهد السعودي.. رواية بدأت بالصدور، وأنباء عن تحويلها إلى فيلم سينمائي أيضاً.. وكتب تركي آل الشيخ على غلافها الخلفي: “تُباع الرواية بدولار أمريكي واحد أو ما يعادله في كل أنحاء العالم، دعماً للثقافة؛ التواصل والقراءة والقيم الفكرية لا تُقدّر بثمن”.

هناك حقائق لا يمكن دحضها على مر التجربة الإنسانية، أولها أنّ السلطة ككتلة سلوكية في مجتمعات ذات أبعاد شمولية، هي العدو الأكبر للثقافة، لأنها تنظر إلى الثقافة وممارسيها بعين العمالة على أنهم كائنات يسعون لتدمير الهوية الاستبدادية لقيمة الفكر الشمولي. بمعنى هناك نوعين من الفعل الثقافي، الفعل الحر الذي يناهض كل أشكال السلطة لأنّ السلطة لها سقف كي تسود بالمطلق، والفكر الثقافي الحر لا سقف له أبداً.. وهذا النوع من الثقافة من المغضوب عليهم في كل العالم قولاً واحداً، لأنهم لا ينتمون لفكرة التسيّد الأبدي، ولا فكرة الثبات المطلق، كل شيء بالنسبة لهم هو متغيّر ويجب أن يتطور دائماً وأبداً، وهو التعريف الطبيعي للثقافة.

وهذا النوع من الثقافة بالنسبة لأي سلطة هو نوع عمالي وانتهازي ويُوصف بكل صفة سلبية، لأنه يحرض على الحرية.

النوع الثاني وهو النوع الذليل الذي يكون خاضعاً للسلطة ويكون أمثال تركي آل الشيخ ومصطفى طلاس سابقاً أدباء ومفكرين وهم كثير عليهم أن يكونوا أبقار في مزرعة، ليس لأنهم غير موهوبين، لكن من ينتمي لأي شكل من أشكال السلطة هو ذو تفكير ضحل ولا يمكن أصلاً أن ينتمي للحرية، إنه لا ينتمي إلا للسلطة التي تجبره أن يعمل لصالحها، فكيف يمكن أن يعبّر عن تطلعات مثالية تحقق العدالة للناس البؤساء وهو من يضطهدهم؟.
من هذا المنطلق جاء تركي آل الشيخ بعبارة في نهاية كتابه “ليطنبر” الناس على أنه ينتمي إلى الثقافة.

قطعاً الرواية فارغة من أي قيمة أو معنى حتى قبل قراءتها، وإن حملت معنى، فكيف يمكن أن يستفيد شخص من فكر أحد يمارس كل عنجهية إقصاء وتدمير وتحقير للإنسان العادي، وهو أصلاً في مكان فكري واجتماعي وثقافي وسياسي آخر!.

تركي آل الشيخ رمز سياسي ونموذج لأكثر فكرة تعبّر عن انحطاط الثقافة في الدول الاستبدادية والشمولية.

بطبيعة الحال السعودية متأخرة كثيراً في هذا المضمار، فهناك من سبقها بأجيال، طلاس في سوريا، القذافي في ليبيا، صدام حسين في العراق، مبارك في مصر، كلهم قوّاد مثقفون يكتبون الفكر والفلسفة والأدب… لدينا تاريخ مشرق من عسكريين سفلة ومستبدين منحطين، يكتبون ويحققون عدالة البؤساء على الأرض نظرياً.

تركنا لكم عهر السياسة، فاتركوا لنا الثقافة، حتى الثقافة تريدون انتهاكها وتشويهها وأن تتلاعبوا بعقول وعواطف ومصائر البشر كي لا يناضلوا ضد سفالاتكم السياسية.

تريدون مجموعة من المطبلين حولكم على أنكم رواد الثقافة، وأنتم عبارة عن بهائم تدب على الأرض.

بحق احتارت عقول الشعوب لتفهم من أنتم… ما هو مستوى سفالتكم كرؤوساء وأمراء وحكّام وملوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟.. والغريب أنكم تندهشون ببراءة عندما يتم شتمكم أو النضال ضدكم لإسقاطكم؟ المشكلة أنكم بحق لا تفهمون مستوى الوضاعة الذي وصلتم إليه.

أعزائي الرؤوساء والأمراء ورموز السياسة وكل تابعينهم والمدافعين عنهم، أنتم أعظم مستوى من الحقارة في التاريخ البشري.

في النتيجة، القذافي وصدام وطلاس ومبارك، عندما كانوا يكتبون لم يكن أحد يعتبرهم شيئاً مهماً إلا لأنّ سياطهم كانت على رقاب البشر، لأنّ ذلك كان عصراً من الثقافة الجادة التي تدرك العمل الجيد والإبداعي من العمل الرديء، لكن حظ تركي آل الشيخ سيكون أفضل نسبياً، وقد يجد بعض معجبيه، لأنّ فكرة المجتمع الاستهلاكي أصبحت أضخم وفي مثل هذا المجتمع يتعاملون مع أنصاف الثقافة على أنها عبارات يمكن تزيين صفحات السوشيال ميديا بها، لكن عزيزي تركي آل الشيخ، هؤلاء الأنصاف المثقفين، ورواد التزيين الجمالي لعبارات مستنسخة وزائلة، لا يعبّرون عن عمق الثقافة ونضالاتها ضدكم، فبإمكانك أن تشتري الإعلام وبعض المصفقين لمن يعتبرونك مثقفاً، لكن كن متأكداً أنّ هذا هو سقفك.

الثقافة الجادة والحقيقية لا تنتمي إليك ولا تنتمي إليها، ليس لشخصك، إنما لأنك تعبير عن قوة السلطة، والثقافة مناهضة لأي سلطة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.