انتهاء الرواية ومتجاوزو نوبل.. الفكرة والسرد والشخوص في روايات أليساندرو باريكو

الرواية لا يمكن أن تنتهي أو تتوقف عند شكل واحد، إنها قادرة على الحياة ومعبّرة عن تطلعات مجتمعات لم تفهم بعد أن الغريب عن السائد وتجاوزه هو أبدية في التطور وبناء شكل أكثر انسيابية في الوعي والإدراك والواقع.

الأيام السورية؛ خالد علوش

بلا دماء، آخر رواية أقرأها للكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو، وقد تمت ترجمتها للعربية عام 2019، أو ما أفضّل أن أطلق عليها شخصياً اسم (الرواية الباريكوية) بغض النظر عن اعتبار القرّاء لميزة باريكو الاستثنائية مع مفهوم الرواية أم لا.

في عالم الرواية الأدبية نسمع دائماً مسمّيات حول الرواية الجويسية، البروستية، الدويستوفسكية، الكافكاوية، لقدرة هؤلاء الكتّاب على خلق ميزات سردية وأفكار مستقلة ولا تشبه أحداً، واعتبر البعض من النقّاد والقرّاء أنّ الأمر توقّف في زمن مضى، كان فيه للرواية رواج لم تعد تملكه اليوم.

لكن هذه الرؤية التقليدية لمفهوم انتهاء الرواية وتحوّلها إلى مصنّم تاريخي لم يعد هناك من هو قادر على تجاوزها، قد بدأ بالسقوط فعلياً مع النصف الأول من القرن العشرين الذي بدأه زفايغ وإنشاء عالم مستقل من السردية التي أصبحت اليوم من الشهرة والمحبين له ولأسلوبه بأعداد خيالية، وكانت لحظة إعادة خلق الرواية بأسلوب مختلف مع الزفايغية، ليتبعه كونديرا وإنشاء الكونديرية بسرديات تجاوزت التاريخ الأدبي لمئات الأعوام القادمة، ويمكن لشرح الأمر أن نقول مثلاً: “إنّ حصل كونديرا اليوم على نوبل للأدب فهو انحطاط حقيقي لشأنه الأدبي، هذا الرجل تجاوز مرحلة نوبل بكثير؛ وتُختتم الأمور مع الباريكوية بقلم الإيطالي أليساندرو باريكو.

قد لا يبدو مصطلح الباريكوية شائعاً في المفهوم الروائي اليوم أو لدى محبي الرواية والقراء – العرب على نحو خاص – لكن البعض يستطيع استشفاف عبقرية هذا الرجل إن تمت قراءته بتمهّل ولذة. من قرأ هذا الكاتب يعلم تماماً ميزته المذهلة في خلق صورة لفن الرواية الحديثة متعارضة كلياً مع مفهوم الرواية الرائج في عالم اليوم إن كان في الغرب أو في الشرق.

الكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو(العربي الجديد)

لدى باريكو نقطة أساسية في الرواية وهي أنه غير ثرثار، يمتلك قدرة هائلة في الاستغناء عن أي سردية لا لزوم لها ويمكن استعاضتها بكلمتين معبرتين.. إنه تطبيق مذهل للمثل “كلمتين نضاف أحسن من جريدة وسخة”، وبهذا المعنى عندما نقرأ باريكو نكتشف الجرائد القذرة في الرواية الضخمة والسرديات الجوفاء في عالم اليوم التي لا تحمل أي معنى.

باريكو ثورة حقيقية في الرواية العالمية، إن كان من ناحية البناء السردي، أو الخفّة المذهلة للشخوص ورؤاهم وفلسفاتهم دون إغراق كبير في سردية الحوارات لإيصال المعنى كما كان في شخوص الروايات القديمة (تولستوي مثالاً، أو في الوطن العربي كمنيف مثلاً). يُضاف إلى ذلك ميزته في الأفكار الغريبة وتناول طروحات قد تبدو بسيطة وعادية ومكررة لكنها استثنائية، في العمق، يستطيع أن يعبّر عن الفكرة التقليدية بتكوين بناء خيالي غير مطروق، يكفي أن تقرأ مونولوج عازف البيانو أو حرير لندرك جيداً ما نتحدث عنه.

النقطة الأخيرة لدى باريكو هي قِصَر أعماله إلى درجة قد يظنّ الشخص أنه يقرأ قصة طويلة وليست رواية، لكن بالمقابل مفعمة بالحياة ومتكاملة إلى درجة غريبة، طبعاً إذا ما استثنينا عمله الضخم “مدينة”.

أربع ميزات استثنائية في عالم اليوم الروائي لا تجدها لدى شخص آخر سوى باريكو، إنه شخص فريد من نوعه. هناك الكثير من الروائيين المتشابهين، حتى وإن ميّزنا أساليبهم لكن أفكارهم وآليات سردياتهم وبناء شخوصهم وطروحاتهم الفكرية هي واحدة، لا تشعر بالاستثناء، إن كان غربيّاً أم شرقياً أم عربياً على نحو خاص. إنهم أشبه بأن تكون مغني من طرار البوب، الجميع متشابه كالأرز المسلوق.

باريكو واحد من الذين حطّم مفهوم الرواية التقليدية وخلق نمط جديد لها، وبطريقة ما إنه يسير باتجاه خلق مذهب سردي وفكري وشخوصي خاص به، ربما لم ينضج لدى القرّاء بعد، بشكل عام، لكن هناك شيء يلوح في الأفق عن إبداع مختلف لهذا الكاتب، إننا على موعد مع كاتب آخر سيتجاوز نوبل عاجلاً أم آجلاً، ويثبت أنّ الرواية لا يمكن أن تنتهي أو تتوقف عند شكل واحد، إنها قادرة على الحياة ومعبّرة عن تطلعات مجتمعات لم تفهم بعد أن الغريب عن السائد وتجاوزه هو أبدية في التطور وبناء شكل أكثر انسيابية في الوعي والإدراك والواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.