انتظار الموت عن طيب خاطر

حين تتأمل طريق هجرتك القسرية وأنت تعبر الحدود برفقة الآلاف من “الشبيحة” و”المجرمين” يحرسونك، لا تكاد تستوعب الفكرة، بل لا تكاد تعي أنك في رحلة المجهول.

الأيام السورية (خاص) - فرات الشامي - سوريا

تركت خلفي ذاكرةً طويلة… عشقاً هناك… حيث تلك الأعمدة القديمة، والنافورة التي جفَّ ماؤها… والياسمينة المتدلية فوق رؤوسنا في ساعات الليل… حيث الليمونة… والنارنج… حيث النوافذ الخشبية التي رفضت إصلاحها لأنها من ذاكرة الماضي.

اشتقت لـ”منزلي”، ورحت أقلّب الصورة والدمعة لم تفارق مقلتي، أمام زوجتي وشريكتي… أخبرتها أنّ البيت “سرقته الشبيحة”، بصوتٍ مكسور، كيف لا يكسر الصوت وأنا كغيري من أولئك الذين انهزموا وأبعدوا من ديارهم؛ فقط لأنهم رفضوا عيش الذل.

في المدرسة كنت أول من نادى بإسقاط  “حافظ الأسد” كان ذلك في العام 1999 ومعي بعض “الأصدقاء”، لم يتمكن يومها “الأمن” من معرفة من “خربش” على جدران المدرسة الثانوية بعباراتٍ تنادي بـ”التحول الديمقراطي” و”الموت لحافظ الأسد”… كنا رجالاً، وقفنا نتأمل تخبط عناصر المخابرات، وفي داخلنا نشوةُ الانتصار، وشاء القدر أن بقيت وحيداً في “ربيع العام 2011” بعد مقتل “شركاء الدرب”… وتلك حكايةٌ أخرى.

بالأمس وقفت عند تلك الذكريات التي لم أرغب بالبوح بتفاصيلها إلا هذه المرة، ودخلت في مقارنةٍ مع أولئك الذين فضلوا العيش تحت مظلة “بشار الأسد”… تحت رحمة مئات المصائب التي يتعرضون لها يومياً بالرغم من وقوفهم في الطرف “الموالي”.

أذكرُ تماماً بداية الحراك السلمي ما كان يدور من كلامٍ داخل أروقة الدوائر الحكومية، – يومها كنت موظفاً بربطة عنق – العبارات التي رافقت أولئك الناس لم تتجاوز “التذمر” أو تتخطى “الشكوى” وربما “الألم”… كلامهم عن ارتفاع الأسعار… عن أزمة المرور… عن انقطاع التيار الكهربائي لساعاتٍ طويلة… وانقطاع الماء… كذلك غياب وسائل التدفئة، وانعدام “الدخل” الذي بالكاد يكفي لبضعة حتى منتصف الشهر، أضف إلى ذلك كلامهم عن قضاء ساعات طويلة على “حواجز التفتيش” كلما قرروا واحدهم الخروج من بيوته إلى عمله، أو بغرض التسوق… لكنها مجرد “عبارات” أو كما يقول “نزار قباني” … “كلمات”.

في العام 2010 شتمت “حافظ الأسد” و”بشار الأسد” علناً أمام الموظفين… لم يجرؤ “أبو عصام” الموظف المخبر على “كتابة تقريره بحقي”، ربما لأن “أمي داعيتلي” كما قالت لي “ريم” زميلتي في العمل والتي ظلت “رمادية”.

تلك الأيام كنت متهوراً بنظر الجميع، ومن بقي من زملائي موالياً بالكاد يتجرأ على شتم “وزير” أو “رئيس حكومة الأسد”… وما إن يصل الكلام عن “الأسد” حتى ترفع الأكف بالضراعة راجين له المولى بالشفاعة، لسانهم ينطق بمقولة جيرانهم في دولةٍ قريبة “الله يخليلنا جلالة سيدنا”..!!.

كيف تحمد بعض الشعوب المسبب الرئيسي لمآسيهم…؟!

المشهد بات خارج نطاق المعقول…. والمنطق لدى البعض أصبح يتمثل بقبولهم الاستمتاع بـ”العبودية” لـ”سوط المستبد”, والذريعة المتعارف عليها، وجود ضغطٍ أمني و”الحيطان لها آذان”.

إنه “انتظار الموت عن طيب خاطر”، حالةٌ تستحق الدراسة ربما هي القابلية للاستعمار كما وصفها “مالك بن نبي”… أو شيئاً قريباً يحتاج إلى تأصيل علماء الاجتماع وتسليطهم الضوء على الحالة للوقوف عندها وتفسيرها كـ”ظاهرة عربية” أعتقد أنها “معدية”.

إن كان ثمة من يعيش “السوداوية” اليوم ويؤكد أن بقاء “بشار الأسد” على “كرسي السلطة”، فهذا لأنه استقرأ واقع الشعب –البعض منهم – وهم بتصوري غالبية كبيرة، فالتحول الديمقراطي في سورية لن ينجب إلا “ديكتاتورية” من نوعٍ آخر، ولعل ممارسة الديمقراطية في صفوف النخبة الثورية اليوم توحي بذلك، فهي قائمة على “القرابة العائلية، المحسوبية”، وغيرها.

أزمة الناس اليوم أنها تبحث عمن يخاطبها بالقول:

“انتخبوا براحتكم وبحرية… انتخبوا مولاكم فلان”… أمثال هؤلاء مازالوا بيننا وشأنهم “إفساد المجتمع الديمقراطي” لأنهم اعتادوا العيش على “قارعة الحياة” على قيد “منفسة”، ينتظرون الموت عن طيب خاطر.

«إياك أن تقرأ حرفاً من كتابات العرب

فحربهم إشاعة وسيفهم خشب

وعشقهم خيانة ووعدهم كذب…». نزار قباني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.