انتخابات الرئاسة السورية وشرعية البراميل

هل يبقى السوري مقيداً تحت مقصلة الاستنزاف والضغط بالوسائل الممكنة كافة؟ وهل هناك شرعية للأسد وانتخاباته؟ ومن سينتخب من؟ وكيف ستتم عملية الانتخاب؟

الأيام السورية؛ حسين الضاهر

إن أخذتنا الخطى إلى بعد أمتار عن مبنى جريدة الثورة الموالية التي تولى موقعها الإلكتروني منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر من العام المنصرم مهمة التبشير بقرب إطلاق ما وصفه بـ”الفعاليات الوطنية” التي ستكون توطئة للانتخابات الرئاسية السورية المقررة في نيسان/أبريل القادم؛ وابتعدنا قليلاً فقط عن ذلك المبنى سنجد شعباً يستظل معظمه بخط الفقر منتظراً إعلاناً من الجريدة ذاتها يبشر بتوفر مادة الخبز أو الغاز أو أيّ من أساسيات الحياة الأخرى، وإنهاء عن فعاليات الطوابير التي كادت تدخل موسوعة “غينيس”.

وفي مكان آخر ليس بعيداً عن الواقفين في الطوابير، وربما يكون تحت أقدامهم، سنجد أخوة لهم يئنون تحت قسوة جلاد جعل من دمائهم قوت سوطه، وقد نجدهم جثثاً مرقمة في مقابر جماعية، وفي حال أخذتنا المسافة إلى أبعد من ذلك فمن المؤكد أننا سنقف بعجز تام أمام مشهد ذل أطفال المخيمات وهم يقارعون البرد والجوع والحرمان، عدا عن الدمار الذي أصاب البشر والحجر، وعن مأساة ملايين المبعدين قسراً، وعن مئات آلاف الغرباء المجتذبين طوعاً، سيحيرنا منظر الخارطة السورية والتي أصبحت ككرنفال عالمي تتعدد فيه الألوان والأعراق والفعاليات.

فمن سينتخب من؟ وكيف؟

في وقتٍ لم تعلن فيه أي جهة رسمية أو غير رسمية عن أسماء مرشحي هذه الانتخابات ـ وهذا أمر طبيعي في بروتوكول الديمقراطية الأسدية العريقة ـ من المؤكد أن تلك الأسماء ومسألة الانتخابات بوجه عام لا تعني شيئاً ولن تضيف شيئاً.

للإجابة على هذا السؤال لابد أن نلتمس أولاً ماذا تعني انتخابات الرئاسة اليوم للمواطن السوري في الداخل أو الخارج؟

في وقتٍ لم تعلن فيه أي جهة رسمية أو غير رسمية عن أسماء مرشحي هذه الانتخابات ـ وهذا أمر طبيعي في بروتوكول الديمقراطية الأسدية العريقة ـ من المؤكد أن تلك الأسماء ومسألة الانتخابات بوجه عام لا تعني شيئاً ولن تضيف شيئاً، فبعد عشر سنوات من الخذلان انكفأ السوريون في الداخل إلى أنفسهم وإلى تأمين لقمة البقاء غير آبهين بأبعد من ذلك، حيث أصبح التفكير في أمر سياسي بالنسبة لهم ضربًا من الترف، أما الذين استقرت بهم الأحوال خارج حدود الوطن، فقد يأسوا من ملاحقة أخبار معضلة بلادهم بعدما أيقنوا أن لا حل يلوح في الأفق إلا باتفاقات وتسويات دولية، واقتصر الأمر على بعض الأصوات من سياسيين ونشطاء فندوا من خلالها شرعية الانتخابات الأسدية القادمة عبر مقالات ونداءات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالعودة إلى الفعاليات الوطنية فإن اللافت في الأمر أن “التطبيل والتزمير” الذي عهدناه مع اقتراب مثل هذا الحدث، اقتصر إلى الآن على بضعة تعاميم ضمن ما تبقى من المؤسسة العسكرية، بضرورة وقوف أفرادها صفاً واحداً مع القيادة الحكيمة والسعي من أجل إنجاح الأب الروحي لسوريا وأملها المتمثل بـ “بشار أسد “، هذا بالإضافة إلى انعقاد عدة اجتماعات في أفرع حزب البعث ضمن المحافظات لمناقشة الحملات الانتخابية.

وإن كان هذا الفعل يشير في ظاهره إلى تحول بوصلة النظام في طريقة تعاطيه مع الحدث ومراعاته للحالة الاقتصادية المتردية التي أوصلت المجتمع إلى حالة من الحنق القريب من الانفجار، أو وصل إلى الانفجار كما في محافظة السويداء، وليس هناك من داع للصدام وإثارة الناس من أجل مسرحية قد حُددت نتائجها مسبقاً؛ فإن باطنه يدل على مشهد درامي سخيف يُحّضر له خلف الكواليس يشبه ما عودتنا عليه مؤسسة السيناتور “قبنض” للإنتاج الفني، فـ”أبو عصام” مسلسلنا المفروض علينا منذ أكثر من أربعين عاماً، قد لن يغيبه المخرج الروسي عن هذا الجزء أيضاً، معتمداً بذلك على عامل الوقت إلى حين اتضاح السياسة الأمريكية الجديدة تجاه الملف السوري أو حصول مستجد يغير مسار اللعبة.

اللافت في الأمر أن التطبيل والتزمير الذي عهدناه مع اقتراب مثل هذا الحدث، اقتصر إلى الآن على بضعة تعاميم ضمن ما تبقى من المؤسسة العسكرية، إضافة إلى انعقاد عدة اجتماعات في أفرع حزب البعث ضمن المحافظات لمناقشة الحملات الانتخابية.

ولو أنني في قرارة نفسي أجد من الذكاء استبداله بممثل آخر، فقد أصبح يشكّل عبئاً ثقيلاً قد لا يطيق الروس احتماله لولاية تستمر سبع سنوات أخرى في ظل نظام يفتقد للموارد الاقتصادية وبلدٍ بلا بنى تحتية، أما المشهد الثالث وهو الأرجح، أن تذهب الإدارة الروسية مع نظام الأسد إلى فترة محددة ثم تتنازل عنه تدريجياً لصالح اتفاقٍ مع المجتمع الدولي، يراعي مصالحها وحصتها من الكعكة السورية وهذا الاحتمال سيأخذ وقتاً طويلاً، وعلى اعتبار أن نتائج الانتخابات القادمة محسومة مسبقاً من قبل المتحكم في الشأن السوري “روسيا” فإنها تحاول الآن فرض استقرار مزيف ضمن مناطق سيطرة النظام لتصّدر للساحة الدولية صورة عن انتخابات تجري في جو تسوده الديمقراطية والنزاهة، ولإظهار وقوف الشعب خلف قيادته الحالية، وهذا من شأنه أن يعزز موقف الإدارة الروسية أمام المجتمع الدولي بإصرارها على دعم نظام قد حصل على شرعية شعبية.

وضمن الاحتمالات السابقة يبقى السوري مقيداً تحت مقصلة الاستنزاف والضغط بالوسائل الممكنة كافة، وإننا إذ نرى أن لا شرعية للأسد وانتخاباته فإننا نعرف مسبقاً أن صوتنا سيبقى كما كان مخنوقاً إلا إذا أرادت قوى دولية أن يكون له وقع يغير مسار المتوقع وإن كنت أستبعد ذلك فأن كل ما أرجوه ألا يتبع نظام الأسد نهجاً جديداً في حملته الانتخابية قد يكلفنا خسارة مناطق محررة جديدة وإزهاق المزيد من الأرواح البريئة، وألا يكون تطوير نوع جديد من البراميل هو أحد أساليب الدعاية المتبعة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.