انتخابات الأسد بين الشرعية وعدمها.. هل يتم تسويق النظام عبر المجتمع الدولي

لا قيمة لهذه الانتخابات من ناحية الشرعية، التي تتأتّى من الشعب الموزع في المقابر والمعتقلات واللجوء إضافة للمشردين داخلياً، المنزوع عنهم لبوس المواطنة، والمسحوقين داخلياً تحت مطرقة الجبرية وانعدام الإرادة.

الأيام السورية؛ عمار جلو

“أود أن أطلب من المجتمع الدولي ألا تغشِّي الانتخابات الرئاسية السورية المقبلة عيونه، فهي لن تكون انتخابات حرة ولا نزيهة، وهي لن تضفي الشرعية على نظام الأسد (……) فهي لا تفي بالمعايير المنصوص عليها في القرار ٢٢٥٤ بما في ذلك إشراف الأمم المتحدة عليها أو إجراؤها وفقاً لدستور جديد”، من تصريحات السفيرة الامريكية ليندا توماس ترنيفيلد في جلسة الإحاطة الخاصة بسوريا منتصف مارس/ أذار في مجلس الأمن.

حدث مفرّغ القيمة

تحضر الانتخابات الرئاسية وهواجسها في أغلب حوارات السوريين القابعين على الضفة المقابلة للنظام، على الرغم من أهمية الاستحقاق الانتخابي لأي بلد إلا أن الانتخابات السورية كانت ولا تزال حدث مفرّغ القيمة ومكرر أيضاً لناحية النتيجة والمشاركة وما يلازمها من مهرجانات منذ ثمانينات القرن الماضي لدرجة تمكن الإعلام من تغطيتها في الحاضر بما لديه من أرشيف الماضي.

أمران حتميان في هذه الانتخابات المفترض إجراؤها ما بين ١٦ أبريل/ نيسان و ١٦ مايو/ أيار بمقتضى الدستور السوري الحالي، فوز بشار الأسد، والثاني ألا قيمة لهذه الانتخابات من ناحية الشرعية، التي تتأتّى من الشعب الموزع في المقابر والمعتقلات واللجوء إضافة للمشردين داخلياً، المنزوع عنهم لبوس المواطنة، والمسحوقين داخلياً تحت مطرقة الجبرية وانعدام الإرادة.

المجتمع الدولي والشرعية

إذا كان الشعب منبع السلطة فإن المجتمع الدولي مصبها وبدونه تغيب مياه الشرعية في صحارى النسيان، فالمجتمع الدولي يقبل الشرعية أو يرفعها عن أي نظام من الأنظمة الوطنية المنضوية ضمن المنظومة الدولية التي يصعب على أي دولة العيش خارجها، وخلافاً لرأي الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي القائل “أقصى ما يمكن القيام به هو إدانة هذه العملية (الانتخابات) ولكنها لا تلغي قانونيتها الدولية فالنظام يملك سفارات وتعامل مع الأمم المتحدة قائمٌ حتى اللحظة” إلا أن رفع الغطاء القانوني عن النظام من قبل الكثير من الفاعلين الدوليين إضافة لقانون قيصر جعل من شرعية النظام منقوصة كالشرعية التي اكتسبها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة حين تم الاعتراف به كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري دون تسليمه مقاعد النظام ومقار بعثاته لدى المنظمات الأممية ودولها.

التحرك الروسي

يأتي التحرك الروسي في هذا السياق إلا أن جهود وزير خارجيته لم تؤتِ أُكلها في دول الخليج العربي حيث صرح وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني “إن أسباب تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية ما زالت قائمة” كذلك الموقف السعودي ولو بعبارة ألطف، ورغم ليونة الموقف الإماراتي إلا أنها عاجزة عن تجاوز التحذير الامريكي الذي أصابها سابقاً، ورغم تبدل الإدارة الامريكية لم يتبدل موقفها حيث صرحت المندوبة الدائمة للولايات المتحدة الامريكية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت خلال جلسة إحاطة لمجلس الأمن “أن نظام الأسد يعرقل عمداً تقدم اللجنة (الدستورية) لتشتيت انتباه المجتمع الدولي بينما يستعد لإجراء انتخابات رئاسية “زائفة”.

مواقف أمريكية وأوربية

بينت كرافت “أن الولايات المتحدة الامريكية لن تعترف بالانتخابات الرئاسية المقبلة التي سيجريها النظام السوري” والتي اعتبرتها ” لتعزيز الرواية الكاذبة بأنه شارك بشكل بناء بالعملية السياسية بموجب القرار ٢٢٥٤”، الذي اعتبره المبعوث الامريكي السابق لسوريا جوريل رايبورن ” أنه لا مجال سوى الرضوخ إليه (القرار ٢٢٥٤) فالعزلة الدولية مستمرة عليه وقانون قيصر لا سبيل للتراجع عنه”.

يتطابق الموقف الامريكي مع الموقف الأوربي كياناً ودول فقد صرح الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد، جوزيف بوريل، ” أن الانتخابات يجب أن تشمل السوريين داخل وخارج البلاد، وتكون في ظروف نزيهة وحرة، وهو الأمر الذي قد يستغله النظام السوري بإجراء “لعبة” ما على الأمر”، كما استند البيان المشترك لوزراء خارجية الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، على القرار ٢٢٥٤ كأساس لحل سلمي يحمي حقوق جميع السوريين، و أشار البيان إلى إجراء انتخابات حرة نزيهة برعاية الأمم المتحدة بمشاركة جميع السوريين بما في ذلك سوريو الشتات، وأعلنوا دعمهم لجهود المبعوث الأممي الخاص لسوريا غير بيدرسون لتطبيق جميع جوانب القرار ٢٢٥٤، ما يعني شمولها لما اصطلح على تسميته بالسلال الأربعة التي تم تغييبها لحساب سلة الدستور.

إعادة الإعمار

بغياب نية لانخراط أكثر في المسألة السورية يبقى قانون قيصر والإحجام عن المشاركة بعملية إعادة الإعمار سلاح فاعل تحتفظ به الدول الغربية في مواجهة الدول الداعمة للنظام، فحسب تصريحات بوريل “لم يغير الاتحاد الأوربي سياسته على النحو المبين من الاستنتاجات السابقة للمجلس ولا يزال ملتزم بوحدة وسيادة وسلامة أراضي الدولة السورية” والتي تضمن عدم المشاركة بإعمار سوريا مالم يتحقق تقدم ملموس في العملية السياسية، وهو الحائط المتين أمام الطموحات الروسية ولم تفضي جولة عراب خارجيتها سيرغي لافروف الأخيرة إلى المنطقة بإحداث اختراق في الخاصرة الرخوة والأكثر فاعلية لهذا الجدار، فعودة سوريا إلى الحضن العربي تجعل السياسة الغربية وكأنها كاثوليكية أكثر من بابا الفاتيكان لمسألة شرعية الأسد وفق الرؤية الروسية التي لم تكتفِ بدور محامي الشيطان بل شاركه في جرائمه بعد الانخراط العسكري الروسي زمن الإحجام الغربي عن الفعل في سوريا، تطور لاحقاً لتفويض ضمني لاجتراح صيغة حل سياسي ينهي المأساة السورية.

مع دخول الرئيس الامريكي جو بايدن للمكتب البيضاوي تخشى موسكو من سحب هذا التفويض لذا تسعى للملمة أوراق القوة التي امتلكتها في سوريا وعلى رأسها وجود الأسد على رأس السلطة مما جعل الانتخابات السورية مصلحة روسية بامتياز وذات قيمة روسية أكثر من قيمتها للأسد نفسه، ضمن موعدها المقرر وذلك ضمن العرف السائد بتسمين الخروف قبل ذبحه أو بيعه فيما يسعى الطرف المقابل لتبخيس الثمن عن طريق العدالة الدولية من خلال العودة لمناقشة تقارير فريق التحقيق وتحديد الهوية التابعة لمنظمة حظر السلاح الكيماوي إضافة للجهود الوطنية كالبيان الكندي الهولندي المشترك وما يُحضّر لتقديمه للقضاء الفرنسي وكذلك أمام القضاء البريطاني الذي طال لأول مرة أسماء الأسد بحكم جنسيتها البريطانية.

جرت الانتخابات الرئاسية السورية ٢٠١٤ والنظام السوري في أضعف مواقفه السياسية والعسكرية فكيف به الأن وهو القابع على رُكام النصر ألا يجريها، إلا أن ما يميز الانتخابات المقبلة عن سابقتها أن الأسد لن يكمل ولايته فيها وخارج أي صفقة سياسية تضع الروس والإيرانيين على تضاد، أو محاكمة دولية تنبش جرائم النظام، ولكن من نبش التاريخ و ِعبره، ولكم في الرئيس اليمني السابق (الراقص على رؤوس الأفاعي) علي عبدالله الصالح شاهدٌ قريبٌ على ِعبر التاريخ.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.