امرأة 2019… حكايات للاضطهاد والنجاح من هذا العالم

بالمقابل فالتاريخ البشري مليء بالقتل الذكوري بسبب ودون سبب، لذا فالمرأة فعلياً قد تسبب حرباً لكنها لا تقود حرباً. إنهاء سلطة الذكر ليست فقط لإيقاف العنجهية التدميرية التي لا تنتهي، بل للبحث عن مستقبل مسالم فعلياً.. (بدنا نعيش).

الأيام السورية؛ علي الأعرج

دائماً ما يصفني البعض بأني من ذلك النوع من الأشخاص الذي لا يُفهَمون بسهولة، وبأنّ مواقفي غامضة جداً، وطريقة تعبيري عن الأفكار أشبه بالمتاهات المستحيلة الوصول؛ ودائماً ما أجيب بأني من الوضوح الشديد ما يجعلني عسيراً على الفهم. أنا من ذلك النوع من الجنس البشري الذي لست معتاداً على تجميل الفكرة من أجل قولها، ببساطة السافل يجب أن تقول له سافل، والجميل يجب أن تقول له جميل دون أي أناقة معرفية، حتى لو كان ذلك الأسلوب يتعارض مع كل قيم المعرفة أو المناهج العلمية أو الصحفية القائمة.

طبعاً هذه الصعوبة في الفهم تكمن بالضبط في النزعة الفردية، دائماً ما أكرر في أي مكان بأني ضد الأشكال النضالية عندما تتعلق بالمؤسسات، بما فيها النسويات، لكن هذا لا يعني بأني ضد النضال أو ضد المرأة، أنا ضد التذويب الممنهج للفردانية البشرية داخل القولبة الشمولية لقانون نضالي معين في مؤسسة أو حزب أو فكرة أو.. الخ، وهذا ما يوقعني في سوء الفهم، أو بحسب التعبير بأني عسير على الفهم.

فمثلاً في موضوع المرأة، أنا مقتنع ومنذ زمن طويل، بأنّ المرأة قد تنشأ حرب من أجلها، لكن أن تَخلُق هي الحرب فهذا لم يحدث في التاريخ أبداً، وعليه فالمرأة هي الكائن الذي يجب أن يستلم كل أمور الحياة وإقالة الرجل بالمعنى الكلي، وعندما أقول إقالة فأنا أعنيه بالمعنى المطلق، وليس تعبيراً مجازياً أو ثقافياً، نحن بحاجة حقاً لإزاحة السلطة الذكورية من الوجود.

الرجل لا يعرف سوى التدمير، وربما نظرة خاطفة على التاريخ، يمكن إسكات كل من سيتفوّه لتبرير معاكس لما يُقال هنا. نعم عزيزي.. الرجل كائن تافه في صناعة الحرب والتفاخر الأجوف والسيطرة ومحاولة التفوق على الكائنات الحيّة الأضعف، أتريد ما هو أكثر من ذلك تفاهة! بالإضافة أنّ الرجل هو الذي اخترع السلطة في التاريخ البشري التي أساساً أنا مناهض لها ولرموزها، وهذا سبب كافي لإقالة الرجل من مركزه السلطوي.

الموضوع بسيط وواضح جداً، المرأة لا رغبة لها في صناعة حرب لتدمير الجنس البشري، إنها لا تفقه صناعة الحرب؛ أما بعض النماذج التي قد يتذاكى البعض لاستقدامهنّ بأنهنّ قد صنعنَ حروباً أو قُدنَ حروباً، فهنّ نساء يمكن تعدادهنّ على أصابع اليد في التاريخ البشري بأسره.

من الصحيح أنّ هناك منهنّ كنَّ سبباً في إثارة غضب رجال للقيام بحروب مثل هيلين الطروادية أو البسوس بنت المنقذ التميمية، لكن فعلياً التاريخ لا يذكر أكثر من ذلك لامرأة قد سبّبت حرباً، وطبعاً سببتها لنزعة الرجال العنجهيّة، فلو أنّ مينلاوس أو كليب لم يمارسها الكبرياء الأجوف أو يختفيان خلفه من أجل تسيّد الاستبداد، لما وقعت تلك الحروب أصلاً.

بالمقابل فالتاريخ البشري مليء بالقتل الذكوري بسبب ودون سبب، لذا فالمرأة فعلياً قد تسبب حرباً لكنها لا تقود حرباً. إنهاء سلطة الذكر ليست فقط لإيقاف العنجهية التدميرية التي لا تنتهي، بل للبحث عن مستقبل مسالم فعلياً.. (بدنا نعيش).

بوستر الفيلم

طبعاً كل هذا الحديث هو لاستعراض بسيط عن واحد من أجمل الوثائقيات التي تم إنجازها مؤخراً من قِبل المخرج الفرنسي “يان آغتوس-بيتغان” وهو فيلم “وومان (امرأة) 2019″، وطبعاً كان المخرج قد أنجز قبل ذلك فلمين اشتهرا جداً في الوطن العربي وهما “هوم (الأرض) 2009 – هيومان (إنسان) 2015”.

الأسلوب القصصي في نقل أفكار وتجارب الناس جعلت من أسلوب المخرج واحد من أكثر الأساليب البسيطة والمؤثرة في نقل الحكايات دون مؤثرات جانبية ما عدا التركيز المباشر على تعبير الوجه بكل ما فعلته السنين به، وهو ما يجعلنا كمشاهدين على علاقة مباشرة مع الحكاية لتأثيرها فينا إنسانياً دون أي تدخل بصري أو موسيقي منه.

أسلوب جميل وراقي في جعلنا جزء من الحركة الإنسانية ولسنا مراقبين من خلف الشاشة.

طبعاً هذا الفيلم تكون فيه المرأة هي العنصر المركزي، يتحدث تقريباً عن كل شيء، بحكايات نساء صادقة ومؤثرة إلى درجة مبكية أحياناً.. افتتاحية الفيلم عن واحدة نجت من الاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر، لتتوالى الحكايات من كل مكان وكل نوع وهوية ثقافية، حيث ما يجمعها الحكايات المروعة والتجارب القاسية، قضايا الختان، استعباد الأطفال بالزواج، سرطان الثدي، العنف والضرب، الاغتصاب الزوجي، الحرمان من التعليم، المشاركات السياسية، التصويت، عدم السير في الشوارع دون رجل، مسائل العمل عدم المساواة في الرواتب لنفس المهن.. وعشرات من الأشياء الأخرى لمئات من النساء حول العالم، عالم أول أو عالم ثالث.

هذا الفيلم يوضح أبعد بكثير من موضوعة أنّ هناك دولة حضارية، تحمي المرأة بالقانون أو دولة عالم ثالث لا تحمي أحد، الجميع مضطهد عبر وعي ثقافي ذكوري جمعي للتاريخ الإنساني. هناك شيء متعلق بالنظرة الفوقية للذكر اتجاه المرأة حتى الأكثر دعاة للنسوية في آراءه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.