اليُتم السوري والبحث عن انتماء

هل تربتْ الشخصية السورية في سنوات القهر التي عاشها السوريون تحت حكم الأسد والبعث على التبعية والولاء للأعلى؟ وهل باتت الشخصية السورية مهزوزة الثقة بنفسها، نتيجة الانغلاق والجهل المعرفي والسياسي، الذي خيم على سوريا لعقود؟

الأيام السورية؛ خالد المحمد

خرجت الثورة السورية عام 2011 لتحرير الوطن من سلطة ديكتاتورية فاسدة، فكان لمفهوم الوطن تقلباته في ظل هذه الثورة.

في منظومة المفاهيم يعتبر الوطن مفهوماً ثابتاً تميل النفس البشرية بطبيعتها إليه، لكن في التجربة السورية يبدو الوضع ذو تركيبة مختلفة نوعاً ما، ليس فقط في سنوات الثورة السورية الماضية، وإنما عبر تطور سوريا تاريخياً وجغرافياً.

الثورة السورية التي خرجت لتحرير وطن باتت اليوم هي والنظام سكينَ تقسيم لهذا الوطن، وهو أمر ما عاد ينكره الواقعيون والعاطفيون.

وتقسيم الوطن هنا هو تقسيم للشعب السوري أكثر منه تقسيماً لجغرافية الخريطة السورية.

الشعب المتجانس

الشعب السوري الذي هتف في بداية الثورة (الشعب السوري واحد) بات اليوم شعوباً وقبائل محكوماً من كل شيء إلا نفسه، وهي نظرية النظام التي سعى لتحقيقها من خلال سوريا المتجانسة بإبقاء الشعب الذي يقبل بالولاء له، وإخراج من لا يواليه من الهوية السورية.

في منظومة المفاهيم يعتبر الوطن مفهوماً ثابتاً تميل النفس البشرية بطبيعتها إليه، لكن في التجربة السورية يبدو الوضع ذو تركيبة مختلفة نوعاً ما، ليس فقط في سنوات الثورة السورية الماضية، وإنما عبر تطور سوريا تاريخياً وجغرافياً.

في استعراض سريع للشخصية السورية، نلمح بوضوح ميل التفكير والثقافة لدى الشعب السوري للشخصنة، وفي انقسام الشعب السوري مؤخراً ما بين: مؤيد أو معارض أو انفصالي أو رمادي أو نازح أو لاجئ …

نجد الولاء بين هذه الفئات شبه معدومة للوطن “سوريا” ما بين تيار مؤيد يختصر الوطن في شخص الرئيس والجيش ويرى فيهما الضامن للوجود ويلصق حتى اسم الوطن بالشخص (سوريا الأسد)، أو معارض يرى الوطن أي مدينة مدمرة ولو حكمها الخطف والسلب لكن لا وجود لشخص الأسد وسلطته فيها.

أو تيار انفصالي كان ولازال ولاءهُ لأي أحد يدعم خروجهُ عن سلطة الدولة الشخص التي مارستْ بحق هؤلاء مختلف صنوف القهر والحرمان.

تعدد الولاءات

كثر من اللاجئين اليوم بات ولاؤهم لدول التي مُنحوا فيها الأمان والإقامة ويمجدون رؤساء تلك الدول كعادتهم في الشخصنة وتقديس الفرد، ولم يستوعبوا حتى الآن أنه هؤلاء الأشخاص في تلك الدول هم موظفون وصلوا بصناديق اقتراع وسيرحلون بذاتِ الصناديق.

في الكيان السوري المعارض والذي خرج ضد النظام بات الانقسام سيد الموقف بشكل مخيف، ما بين سياسي وعسكري وطائفي وعرقي وقبلي، مع انقسام داخل هذا الانقسام نفسه ورفض الأخر وموالاة شخصيات وكيانات معارضة لدول خارجية، وصلت من بعضهم حد محاباة إسرائيل العدو الأول للوطن سوريا.

التبعية والولاء للأعلى

في سنوات القهر التي عاشها السوريون تحت حكم الأسد والبعث تربتْ الشخصية السورية على التبعية والولاء للأعلى، مع تميز وتفوق وسلطة هذا الأعلى مهما كانت صفاته، فهو يحمي ويفكر عن الشعب ويقرر عنه، وهو أدرى وأعلم بما هو في صالح الأتباع، فباتت الشخصية السورية البعثية – وهي الشريحة الأوسع في سوريا – مهزوزة الثقة بنفسها، عزز ذلك الانغلاق والجهل المعرفي والسياسي، الذي خيم على سوريا لعقود.

يبدو المصطلح المتداول الثورة السورية اليتيمة بات وبالتجربة ليس دقيقاً والأدق أن نقول الشعب السوري اليتيم.

السوري اليتيم

باتت الشخصية السورية (لدى نسبة كبيرة من السوريين) نفسياً أقرب ما تكون إلى حالة اليتم التي تعيش تعطش لولي، هذا اليتم الذي أضحى تجاه أي شيء إلا الأب الحقيقي (سوريا)، وهو ما دفع السوريون بمختلف جغرافياتهم وانتماءاتهم بطلب الولاية من دول وأشخاص يدركون أنهم لا يريدون بهم خيراً (أمريكا ـ تركيا ـ إيران ـ روسيا ـ أوربا ـ دول الخليج…..).

لكن هذه الولاية والتبعية تحقق لهم الشخصية المستريحة وتشبع لهم الولاء للأعلى الذي تربوا عليه، وحتى بات هؤلاء الغرباء من يفاوضون عنهم بمستقبل وطنهم دون وجود لشخص سوري واحد.

يبدو المصطلح المتداول (الثورة السورية اليتيمة) بات وبالتجربة ليس دقيقاً والأدق أن نقول (الشعب السوري اليتيم).

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.