اليوتوبيا.. هل ما زال الائتلاف مقتنع بأنه المتحدث باسم الشعب السوري؟

الكاتب خالد علوش يكتب رداً على مقال الأستاذ عقاب يحيى “هل يمكن نهوض جبهة عريضة للوطنيين السوريين؟” والمنشور في موقع ” الأيام السورية، والأيام التزاماً منها باحترام آراء الجميع تطرح الموضوع للنقاش العام.

الأيام السورية؛ خالد علوش

إن الجامع بين كل الأيديولوجيات التي تتناقض وتختلف من حيث الجوهر الفكري والأساليب والطروحات وآليات التنفيذ، هو قدرتها على خلق مشروع خيالي يجعل البشر المنضوين تحت رايات تلك الأيديولوجيات أن يعملوا جاهدين لتحقيقه، إنه ما يمكن أن نطلق عليه اسم اليوتوبيا بأبهى حلّة مخادعة.

فاليميني واليساري والوسطي، الاشتراكي والرأسمالي، الملحد والمتدين، الليبرالي والعقائدي، جميعهم يشتركون في خلق تلك اليوتوبيا لتصبح للحياة من وجهة نظرهم معنى تستحق الكفاح والسعي. إنها فرض عوالم مستقبلية يجب النهوض نحوها ليكون هناك عالم أفضل.

لا أحد ضد أن يكون هناك عالم أكثر جمالاً وسلاماً، لكن إن كان المنطلق لإقناع البشر هو بمجموعة القوانين والشعارات والتضحية بالإنسان من أجل ذلك، فهذا أكثر شيء يمكن أن يكون سافلاً في المشروع السياسي التجاري الذي يستخدم الناس في سبيل تسيّده على الأقل حظاً في الحياة.

من الغريب أنه في السبعين من القرن الماضي كان هناك شخص مستعد للموت لمجرد سماع أغنية يسارية على سبيل المثال “قسماً بالقمح والسنابل” وهو مقتنع أنه يمكن أن يقاوم دبابة بحجر ويموت في سبيل عدالة يوتوبية، ونفس الأمر كان يمكن أن يشعره شخص يميني لمجرد سماع خطبة جمعة ليموت في سبيل يوتوبيا الحق.

لا أحد ضد أن يكون هناك عالم أكثر جمالاً وسلاماً، لكن إن كان المنطلق لإقناع البشر هو بمجموعة القوانين والشعارات والتضحية بالإنسان من أجل ذلك، فهذا أكثر شيء يمكن أن يكون سافلاً في المشروع السياسي التجاري الذي يستخدم الناس.

بمعنى الإنسان في التخيّل الأيديولوجي هو عبارة عن شيء لا قيمة له سوى وقود للحرق في سبيل تسيّد القوة التي تريد وتقنع البشر أنها منظومة الحق. اليوتوبيا هي ما يجعل العالم يتحرك بشكل فعلي ومدمر بذات الوقت.

الذي دعاني للكتابة عن هذا الأمر هو مقال تم نشره في موقع الأيام السورية بعنوان: هل يمكن نهوض جبهة عريضة للوطنيين السوريين؟.

يتحدث الكاتب في المادة مطولاً عن محاولات السوريين الكثيرة كقوى سياسية، لإيجاد صيغة للحل السوري لكن الجميع اعترضته أمور لم يستطع أحد تجاوز الواقع أو تحقيق شيء فعلي، وبطريقة ما يصل الكاتب بشكل غير مباشر إلى أن الائتلاف الوطني السوري “اليوم” هو الأمل الأخير بإنشاء جبهة تضم السوريين والوصول لحل مثالي.

أليس هذا الكلام حول الائتلاف هو تحقيق واقعي جداً لفكرة اليوتوبيا التي تحدثنا عنها في الأعلى! الأمل الأخير والحل المثالي!.

طبعاً أنا كسوري لا أريد أن أكون متشائماً، لكن هناك حقائق يجب التنويه عنها، وأهم هذه الحقائق أن استمرار القتل لعشر سنوات وموت وتشريد الملايين، ووضوح الهزيمة التي مُنينا بها بشكل قطعي، يتحمل الائتلاف نفسه كمجموعة سياسية، ومتحدث أساسي بلسان سوريا الحرّة، الجزء الأكبر منها، وهنا لا نبرّأ النظام، لكن نحاول أن نكون منطقيين.. فعندما نقول بأن الائتلاف الذي قد مضى على تأسيسه 9 سنوات، والذي لم يقدّم شيئاً للشعب السوري، لا سياسياً ولا عسكرياً ولا مؤسساتياً ولا ثقافياً ولا تعليمياً، وكل ما تم تقديمه هو عبارة عن شجب وتنديد ومطالبة لحل سياسي وتشكيل هيئات، وتغيير واجهات وأسماء وما زال الشعب – بعيداً عن الذين يموتون – يعانون في بعض الدول المحيطة بسوريا بحياة أسوأ بكثير مما يمكن تخيله، ويتم التنمّر عليهم ويعانون من كافة أنواع الإذلال الدولي والشحذ عليهم وتنكّر المجتمعات المضيفة لهم.. الخ من قائمة لا تنتهي، ولم يحاول الائتلاف أن يؤسس لأي شيء حقيقي، فيصبح من غير الأخلاقي ولا معنى لأي تبرير، أن يكون خطاب اليوم ترويجي على أن الائتلاف سيكون مختلفاً ويحقق ما عجز عنه منذ وقت سابق.

من قال إن الشعب السوري يعنيه ما يفعله الائتلاف أو حتى ما يفعله النظام، بالنسبة لهذا الشعب لا فرق كبير، المعارضة والنظام أصبحوا في خانة واحدة، وإن كان الائتلاف ما زال مقتنع بأنه متحدث باسم الشعب السوري فبالتأكيد ما زال يعيش اليوتوبيا على أصولها.

“الائتلاف الوطني المعنى الأول بهذه الأفكار للتواصل مع القوى والشخصيات”.. لكن عفواً من قال إن الشعب السوري يعنيه ما يفعله الائتلاف أو حتى ما يفعله النظام، بالنسبة لهذا الشعب لا فرق كبير، المعارضة والنظام أصبحوا في خانة واحدة، وإن كان الائتلاف ما زال مقتنع بأنه متحدث باسم الشعب السوري فبالتأكيد ما زال يعيش اليوتوبيا على أصولها. كلن يعني كلن على قولة أخوتنا اللبنانيين.

المادة هي محاولة تجميل صورة لا أعرف الهدف من ورائها ولا السبب الذي يدفع البعض للحديث عنها بذلك الشكل إلا بواحد من اثنين، إما الكاتب يعيش اليوتوبيا التي تحدثنا عنها في الأعلى، وأما أنّ له علاقات مع الائتلاف؛ ولا ثالث لهذين الاحتمالين، فعملية ما كُتِب في المادة لا يمكن فهمه إلا بهذه الطريقة.

من المعيب على أي سوري اليوم أن يثق بأي مشروع سياسي كخطاب دون أن يشاهد تنفيذه أرضاً، وخاصة إن كان هذا المشروع قد تم تجريبه لتسع سنوات متتالية.


المزيد حول الموضوع:

هل يمكن نهوض جبهة عريضة للوطنيين السوريين؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.