اليقين ككارثة إنسانية.. التفكير التشكيكي هو الحل

السؤال الأهم، كيف يمكن أن نصل للمعرفة اللانهائية التي تحيط بنا ونحن قائمون على فكر متنوّع ومضاد ويحتاج مئات السنوات وربما آلاف لمعرفة كل شيء والوصول إلى نقطة معينة نستطيع اعتمادها لنؤسس لفكرة وجودنا الحقيقي؟!

119
الأيام السورية؛ علي الأعرج

لا يمكن الاستمرار في الحياة والبناء دون يقين فلسفي يتبناه المرء ليشكّل لوحة مفهوماتية لوجوده، ولا نقصد بالمعنى الفلسفي، التنظير المجرّد لطبيعة الوجود الذي يمارسه الفلاسفة والمفكرون، بقدر ما هو تحديد بديهيات وعي يمارسه البشر أجمعهم ليخففوا وطأة التفكير النقدي والتحليل تجاه الحياة ومشاكلها.

فالإنسان يمتلك يقيناً إزاء أي موضوع، ويستمر بالحياة بشكل طبيعي دون التوقف عند ما ينتجه ذلك اليقين من خلق معضلات سلوكية ومفهوماتية وثقافية؛ واليقين هنا مناهض للتفكير التشكيكي، الذي يطرح تساؤلات قد لا يجد الإنسان عليها إجابات واضحة، مما يجعله يدور في إحساس من التيه وفقدان القدرة على الانجاز. لكن بالمقابل فعملية التسليم المطلق بيقينيات دون براهين، يخلق أيضاً أشكالاً من تدمير كينونة الإنسان رغم أنها تبني هويته الوجودية، لكنها هوية غيبية وغير مدركة لذاتها.

موضوع اليقين والتشكيك معقّد جداً، بحيث أن كل فكر يتبناه المرء هو مضاد لفكر آخر، وكل فكر يتعامل مع ذاته وبراهينه بعين الإطلاق والحقيقة، رغم أنه لا وجود لفكر واضح ودقيق ويمتلك تلك الحقيقة التي يدّعيها.

نحن كبشر لا نمتلك البراهين على شيء سوى ما حُدّد لنا في تطور كل فكر وسياقاته المعرفية التاريخية، ويقوم على تبنيها دون البحث فيها أو طرح تساؤلات تتجاوز مقدساته ليشكّل التفكير رؤية بحث عن حقيقة، وفي النتيجة سيموت الإنسان دون الوصول لحقيقة واضحة وكليّة؛ حتى أنّ عملية الوصول التي يدّعيها الناس هي ببساطة توهيم معرفي للوعي والتفكير لأنه يريد الخلاص من جحيم البحث.

السؤال الأهم هنا، كيف يمكن أن نصل للمعرفة اللانهائية التي تحيط بنا ونحن قائمون على فكر متنوّع ومضاد ويحتاج مئات السنوات وربما آلاف لمعرفة كل شيء والوصول إلى نقطة معينة نستطيع اعتمادها لنؤسس لفكرة وجودنا الحقيقي!.

موضوع اليقين والتشكيك معقّد جداً، بحيث أن كل فكر يتبناه المرء هو مضاد لفكر آخر، وكل فكر يتعامل مع ذاته وبراهينه بعين الإطلاق والحقيقة، رغم أنه لا وجود لفكر واضح ودقيق ويمتلك تلك الحقيقة التي يدّعيها.

لنأخذ مثالاً بسيطاً وهو الأكثر حضوراً عالمياً، (الإيمان الغيبي والإلحاد). البشر القائمين على هذه الرؤية المضادة لبعضها يمتلكون يقيناً متشابهاً نسبياً، وعلى هذا اليقين يؤسسون لحيواتهم وينشئون صيغ تصارعية لإثبات حقيقة القناعات، على الرغم أن كليهما غير مهمين مقارنة بأن يعيش المرء باحثاً دون السعي للإثبات اليقيني. التفكير النقدي ينتج من فكرة التشكيك للوصول إلى معرفة، فعير مهم إن كان المرء مؤمناً أو غير مؤمن بإله ما دام يحاول الوصول إلى حقيقة الأمر، لكن افتراض يقينية وجود الإله من قِبل المؤمن أو عدم وجوده من قِبل الملحد، وطرح وجهات نظر كليهما في جدل سفسطائي لا همّ له سوى استعراض المهارات، فهو لا يوصل الإنسان إلى أي معنى، ومن حيث الجوهر كلاهما متشابهان، لأنهما يتعاملان مع فكرتيهما كحقيقة يقينية ثابتة دون براهين تشكيكية بحثية سوى براهين السياق المعرفي لفكرهما فقط.

فيقين المؤمن بوجود الإله يقوم على سياق الإنتاج التاريخي للفكر نفسه (دعوة أو كتاب أو تفقّه) دون اعتماد مغاير وارتكاز لنقطة فكرية ترفض هذا اليقين ليتم تشكيل بحث موضوعي حول الأمر، والأمر ذاته ينطبق على الفكر الإلحادي، فهو يعتمد على سياقه المعرفي العلمي الذي ليس يقينياً بالمطلق لفكرة عدم وجود إله.

إذاً من أين جاءت هذه اليقينية المطلقة للقبول أو الرفض؟ إنها ببساطة فكرة استسهال الحياة، واعتماد مبدأ تسكين العقل، وتوهيم النفس بأن هذه هي الحقيقة التي لا يجب مناهضتها للبحث ما ورائها.

الأمر نفسه ينطبق على كل شيء آخر من يقينيات في هذا العالم، فيقين المسلم يتعارض من يقين البوذي ويقين الديمقراطي يتعارض مع يقين العسكري، الجميع يريد تشكيل هوية العالم من خلال يقينيته على أنها الحقيقة التي تحدد سعادة الناس وخلودهم المريح وحياتهم الإنسانية دون قدرة على اعتبار أي فكر آخر هو صيغة تستحق الوقوف عندها والتفكير فيها، بأبسط الأشكال التشكيك والاعتراف بالحرية الشخصية للإنسان. الجميع يقيني لدرجة أنّ عالم اليوم بكل صراعاته وكوارثه هو نتاج لهذا التسليم المطلق والأبدي واليقيني بالحقيقة الفكرية لكل أيديولوجيا قائمة.

في عمل سيدني لوميت السينمائي “12 رجل غاضب”، يطرح شيء شبيه من هذا اليقين بصورة اجتماعية، فهو يعالج معضلة مراهق متهم بقتل والده، فتقوم هيئة المحلفين بمناقشة أمر القتل إن كان مذنباً أم لا، وعندما يجتمعون، يتخذ 11 منهم قرار أنه مذنب لأنّ كل الدلائل تشير إلى ذلك، لكن يخرج واحد ليقول بأنه غير مذنب، ويذكر عبارة في سياق الفيلم: “لست متأكداً أنه مذنب ولست متأكداً أنه غير مذنب، لكن حياة الإنسان تستحق على الأقل قبل إرساله لكرسي الإعدام أن نتوقف عندها خمس دقائق، ألا تستحق حياة شخص منا خمس دقائق من النقاش؟”.

اليقين كارثة بشرية لا ندرك تبعاتها أبداً، لكننا ببساطة نستطيع معرفتها من خلال ما نعيشه اليوم من جحيم على هذه الأرض. بإمكان أي شخص أن يتجرّد من أي فكرة مسبقة ويقينية ومعتبراً إياها الحقيقة. هي ليست حقائق إنما نمط ذهني تم إنشاؤنا عليه.

في إعادة بحث الأدلة بعمق وتروي، يُتخذ قرار جماعي بأنه غير مذنب فعلياً، وبأنّ الموقف المسبق واليقيني من أنه مذنب ليس سوى تاريخ فكري وتجارب لكل شخصية على حدة وأزماتها الإنسانية التي كانت غير مهتمة بحياة إنسان، وسترسله للموت دون إتعاب الأدمغة بالتفكير، فقط لأن تلك الشخصيات متأثرة بدلائل المحكمة، وتريد الانتقام من تاريخهم وثم إسقاطها بيقينات على مراهق متهم دون ذنب.

عمل لوميت بطريقة ما هو تجسيد لفكرة اليقين البشري الذي يتعامل مع كل شيء كحقائق مطلقة.

إننا كبشر ما نحتاجه هو التجرّد من أي يقين نعيشه لنؤسس حياة أكثر أخلاقاً ومعرفة وإنسانية، اليقين كارثة بشرية لا ندرك تبعاتها أبداً، لكننا ببساطة نستطيع معرفتها من خلال ما نعيشه اليوم من جحيم على هذه الأرض. بإمكان أي شخص أن يتجرّد من أي فكرة مسبقة ويقينية ومعتبراً إياها الحقيقة. هي ليست حقائق إنما نمط ذهني تم إنشاؤنا عليه.

في أحد الأيام وفي نقاش مع داعية ديني مصري على السوشيال ميديا، طرحت عليه سؤالاً بسيطاً: “أنت كداعية مصري مسلم لو كنت قد وُلِدت في إيطاليا ألن تكون داعية فاتيكاني وسوف تعتبر فكرتك هي الحقيقة المطلقة وستموت وأنت تدافع عنها وتعتبر أي داعية إسلامي مختلف عنك ليس سوى أحمق مثلما تعتبر اليوم أن المسيحيين كفرة؟”. كان الجواب ببساطة: “افتراضك باطل، لأنّ الله خلقني مسلماً”. إنه لا يستطيع مجرد التخيّل أن يكون شخصاً آخر، لا يمتلك أي تقنية لكسر يقينه وقناعته، فيقينه هو امتداد لنمط واحد من الوجود، إنه ليس باحثاً عن الحقيقة والمعرفة بل الاستمرار بما هو عليه لأنه يريد الخلود من وجهة نظره ولا يملك حتى أي تشكيك بأنه يمكن أن يكون على خطأ؛ والغريب في الأمر هو تصغير فكرة إيمانه، فالله مثلاً لن يكون لديه مشكلة إن بحثت عقلياً عنه، لأنه لن يحاسبك على مدى إيمانك به بل على الطريقة التي توصلت إليها لتؤمن به، وليس التوصل ضمن السياق المعرفي الذي يتحدد بالنص الإلهي، بل التوصل بالبحث فيما يعارضه. والأمر نفسه يُطبّق على أي يقين آخر إلحادي أو مفهوماتي.

التفكير التشكيكي هو الحل الوحيد لإنقاذ هذا العالم من الجحيم الذي نعيشه.

إقرأ المزيد:

النكتة السياسية.. هل هي محور في التغيير أم رغبة للنقد

هرم ماسلو في سوريا

الاعتداء على الجمال.. انتهاك نسوي أم طبيعة غير عقلانية؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.