الوطن والهروب من الشرطة العسكرية

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ اللحظة التي يتقرّر فيها مصير أيّ سوري، للذهاب إلى خدمة العلم، أو خدمة الوطن كما تُسمى، أو خدمة شيء ما، دائماً هناك مجموعة من النصائح المهمة التي يجب على الأكبر سناً أن يتلوها، وهي من الكثرة بحيث لا يمكن لنا سردها جميعاً، لكن الأهمّ منها؛ هو: لا تتعامل مع الحُجّاب (الشخص الذي يعمل خادماً لدى ضابط ما). حاول أن تبتعد عن الفسافيس (الأشخاص الذين يقدمون تقارير للرُتب الأعلى عن أحوال وأحاديث العسكريين). والأهم، احذر أن تقع في أيدي الشرطة العسكرية.

إنّ وقوع مجند في أيدي الشرطة العسكرية يعتبر في سلك الجيش إهانة لا يمكن أن تُغتفر، فبالإضافة للضرب الذي يمكن أن يجري بحقك في مركزهم قبل أن يُعيدوك إلى ثكنتك، دون أن تدرك سبب كل تلك الإهانات والضرب، ستنتظرك عقوبة من الضابط المسؤول عنك في الثكنة بالحبس لمدة ستة عشرة يوماً وحلاقة الرأس على الصفر.

عندما تقرر الذهاب للجيش، يُملأ رأسك بترهات الصراع من أجل البقاء، وتكبر المسألة عندما يخطب فيك قائد ثكنتك بكلام متعارف عليه، مثلاً أن يقول لجنوده: (احذروا أن تقعوا في أيدي الشرطة العسكرية. إن وقع أحدكم وجلبوه إلينا، ستكون له عقوبة شديدة، لكن إن تصارعتم مع أحد من الشرطة العسكرية واستطعتم أن تسرقوا قبعته أو شارته أو أي أداة من أدواته، فالشخص الذي يفعلها، له مني إجازة عشرة أيام). على ذلك النحو تخدم وطنك وفي رأسك عدو، وهو الشرطة العسكرية.

نمضي خدمة الوطن ونحن نفكر في أشياء تافهة. كيف يجب أن نسخر من الحجّاب، وكيف نتوقف عن الكلام بدخول فسفوس الضابط، وكيف نهرب من الشرطة العسكرية.

بشكل شخصي، عندما ذهبت لخدمة العلم قبل خمسة عشرة عاماً، كنت أتحاشى التصادم مع تلك الجهة. عند انتهائي من إجازتي، أستقل سيارة للكراج ثم أصعد مباشرة إلى الباص الذي سينقلني لمكان خدمتي ومن ثم سيارة أجرة للوصول إلى ثكنتي. كنت أدرك بحجمي الضئيل أني غير قادر على مقاومة أحد من الشرطة العسكرية ذوي البنية الجسدية الضخمة، لم يكن أمامي سوى الهروب منهم. هروب من أجل الحفاظ على بقائي ضد العقوبات والضرب والإهانة.

بعد تسريحي من الجيش، كنت أجلس كثيراً، وأستذكر ذلك الهروب المضحك والصراعات مع عدو، كثير منا لم يتصادم معه. نمضي خدمة الوطن ونحن نفكر في أشياء تافهة. كيف يجب أن نسخر من الحجّاب، وكيف نتوقف عن الكلام بدخول فسفوس الضابط، وكيف نهرب من الشرطة العسكرية، والسؤال الأهمّ: أين الوطن من كل ذلك؟.

إحساسي بالهرب كان يؤمّن لي الحماية الذاتية، لكنّه بالمقابل كان يرسّخ في داخلي الخجل من الاعتراف بعدم قدرتي على مقاومة ثلاثة أو أربعة شبان من الشرطة العسكرية. ربما خوفي من الإهانة، وربما خشيتي على جسدي الهزيل من ألم الضرب، وربما تهديد الضابط لي بالسجن. نمضي خدمة وطننا ونحن نحاول الهروب، وفي النهاية يُقال لنا أنّ الجيش هو مصنع للرجال.

الجيش مكان لصناعة رجال هاربين من سلطة غيبية، رجال يخافون على أنفسهم من قوة قد تمسك بهم وتهينهم.

أجل هو مكان لصناعة رجال هاربين من سلطة غيبية، رجال يخافون على أنفسهم من قوة قد تمسك بهم وتهينهم من أجل أن يحصل رجل الشرطة العسكرية على إجازة. إنه مثلنا تماماً، هو يريد الإمساك بمجند من أجل إجازة، ونحن يجب أن نسرق أدواته من أجل إجازة. يا لله على هذه المؤسسة التي تصنع الرجال وتحمي الوطن. هنيئاً لوطننا بنا، وهنيئاً لوطننا بسلطة تصنع حروباً وهمية من أجل إلهائنا نحن البائسين.

عامان ونصف تهدران من عمر الشباب، سن يجب أن يؤسسوا فيه لحيواتهم، فيمضونها هاربين وهم مقتنعين بأنهم يخدمون الوطن. عامان ونصف لا نفعل شيئاً سوى ترديد عبارات النضال والوطن كببغاوات، والتفكير العميق ألا نقع فريسة الشرطة.

يا لله على هذه المؤسسة التي تصنع الرجال وتحمي الوطن. هنيئاً لوطننا بنا، وهنيئاً لوطننا بسلطة تصنع حروباً وهمية من أجل إلهائنا نحن البائسين.

والأكثر غرابة هو عندما يتم الإمساك بك، وتقدّم لهم إجازتك المختومة على أنك خرجت من ثكنتك بشكل نظامي، يتم تمزيق ورقتك وسوقك كي لا يكون لك أي إثبات بتبرئة نفسك، إنها أشبه بسيناريو أبدي، موضوع للجميع. في مركزهم تتلقى الصفعات على سبيل الفكاهة والتسلية، وليس ضرباً. إنه نوع من المزاح كي تفتخر بنفسك أنك رجل قادر على تحمل الألم.

في يوم ما، سأل مجند ضابطاً: لماذا يجب على الشرطة العسكرية أن تلقي القبض علينا إن كنا نحمل أوراقاً تثبت بأننا لسنا هاربين؟، ولماذا يجب عليهم ضربنا؟ فكان الجواب الأكثر عبقرية من الضابط: كيف يمكن ألا تحتمل صفعة من الشرطة العسكرية! إذا وقعت يوماً ما أسيراً لدى إسرائيل، فهل تعتقد أنهم سيقدمون لك عرقاً؟ هناك ستُهان وتُضرب، إن لم تكن قادراً على تحمل صفعة ابن بلدك فلن تكون قادراً على تحمل صفعة عدو.

نعم، هكذا نحمي الوطن ونصنع الرجال.

إنها ليست قصة فنتازيا، إنها ترو ستوري، ترو فاكينغ ستوري.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.