الوضاعة البشرية.. من سيصفق للمنتصر غداً

وأعتقد يجب أن يكون هناك مادة جوهرية في الدستور: يمنع تعليق صورة لأي مسؤول في الدولة داخل الأماكن العامة، وكل من يعلق صورة مسؤول أو ضابط يُحاكم بتهمة التزلف.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

واحدة من معضلات أي حراك في العالم، بغض النظر عن طبيعته أو النتائج المرجوة منه، وما يمكننا قياسه على التاريخ من ثورات، الثورة الفرنسية، الروسية، الكوبية، الفيتنامية، الصينية، الإيرانية؛ أنّ جزء من القائمين على هذا الحراك مع أغلبية القاعدة الشعبية، لا يدركون، أو لا يهتمون، بأي نتائج مستقبلية للواقع، ومنها كيف يجب التعامل مع نجاح هذا الحراك؟

بالتأكيد لا يمكننا القول بأن الانتفاضات الجماهيرية العفوية والثورات، عندما تنطلق في التعبير عما تريده من مطالبات، فهي لا تهتم بالنتائج المستقبلية المترتبة على هذا الاندفاع الجماهيري، وبالأخص عندما يكون هذا الاندفاع قد خرج من رحم سلطة ديكتاتورية أبدية؛ لكن بعد فترة من الوقوف جدياً عما تؤول إليه الأمور، ستبدأ تطفو على سطح العقل البشري بعض من تساؤلات كثيرة، ومنها، هذا السؤال: من سيصفق للمنتصر غداً إذا ما نجح أي حراك؟ من سينضوي طواعية وفرحاً تحت لواء الانتصار؟ وما السلوكيات المترتبة عليه اتجاه العقلانيين؟

سوريا اليوم كنموذج، بعيداً عن تشعبات الواقع العسكري، والأجندات الدولية الاستعمارية فيها، ورحيل النظام أو بقائه، فهناك احتمالات كثيرة، وواحد من هذه الاحتمالات هو تحقيق المطلب الشعبي برحيل النظام وإنشاء نظام جديد يرضى عليه أغلبية الشعب، لكن هنا تظهر هذه المعضلة، كيف يمكن قبول فكرة النظام الجديد؟

سوريا اليوم كنموذج، بعيداً عن تشعبات الواقع العسكري، والأجندات الدولية الاستعمارية فيها، ورحيل النظام أو بقائه، فهناك احتمالات كثيرة، وواحد من هذه الاحتمالات رحيل النظام وإنشاء نظام جديد، المعضلة، كيف يمكن قبول فكرة النظام الجديد؟

بشكل تخيلي يمكن لنا تصوّر المصفقين.. الأول، كل شخص عارض النظام القديم وفرح بسقوطه ودخل في آلية النظام الجديد كمعبّر عن تطلعات وطموحات هذا المعارض. الثاني، هم الفئة التي التزمت الحياد طوال فترة الصراع، وهؤلاء بطبيعة الحال يعملون على مبدأ “يلي بتجوز أمي بقلو عمي”، وما يهمهم منجزاتهم ومصالحهم الشخصية، وسيُقبلون في النظام الجديد والتعويل عليهم فيما إذا امتلك النظام الجديد أي آلية تتعارض مستقبلاً مع طموحات الشعب. والثالث، هم فئة المعارضين للحراك والمؤيدين للنظام القديم، وهؤلاء سيكونون في النظام الجديد مصفقين من الدرجة الأولى لأنهم لا يستطيعون التفكير والحياة إلا ضمن قطيع يحقق لهم آلية حياة تسيّر حيواتهم.

بمعنى آخر الجزء الأعظم من الشعب سيكون تحت راية النظام الجديد، ونتيجة تصفيقهم وتبعيتهم الغوغائية، سيبدأ النظام بتكوين قنواته الخاصة في السيطرة على مفاصل الحياة حتى وإن التزم بالقانون الدستوري والتعددية السياسية، فالنظام بطبيعته ليس تبدّل سياسي لشخوص أو آلية تحكمه من حيث خضوعه للقانون الشامل على الجميع بما فيها الأحزاب، بل هو مفهوم يتحكم بكل شيء، ويُخضع الجميع لنمط إنتاجي “اقتصادي، سياسي، ديني، أو حتى اجتماعي يومي”. إنه بحاجة لقطيع من أجل الاستمرار، بحاجة لكيانات عاقلة غير مفكرة إنما جاهزة للتصفيق تحت اسم التغيير، إنه بحاجة لمجموع من تحقيق متطلبات شعبية بسيطة لاستغلال الكثير. من الصحيح أن هذه العملية تعود بالفائدة على الدولة ككل من حيث القوة العلمية والثقافية والحريات والتطور، لكنها بالمقابل تُخضع الجميع لذهنية مفهوماتية تُطلقها السلطات المتحكمة بعقول البشر من أشكال متحزبة أو وطنية أو مشاعر قومية، وهذه لا يمكن إلغائها حتى في أعتى دول العالم حرية وقانون.

لليوم ما زالت ألمانيا الشرقية تعاني من اضطراب هوية في التعاطي مع ألمانيا الغربية رغم مرور 30 عاماً على التوحيد في ظل دولة قانون.

بمعنى، أن عملية التصفيق لأي نظام واعتباره الكيان المعبر عن طموحات الناس لا يخلق شكلاً ممتعاً من الحياة، لأنّه سيكون هناك أناس يعملون كمرتزقة ضد آخرين يطالبون بحريات أوسع وأشمل وعدم خضوع لقوانين المؤسسات التي تريد استغلال البشر، وسيقوم المصفقون للنظام الجديد بلعب نفس الدور الذي يلعبه شبيحة اليوم في النظام السوري على البشر.

المسألة ليست تجني متخيل؛ يمكن قياس التاريخ على أي تغير في الدولة والثورات ومقارنتها لنفهم ما معنى المقصود. عندما انتصرت الثورة الروسية هرب كثير من مثقفي روسيا خارجاً لأنهم كانوا ضد الطاعة العمياء، وكوريا اليوم والصين وإيران وكوبا ومصر وتونس، وعشرات من النماذج الحية واليومية، وسوريا لن تختلف عما سبق بوجود المصفقين والمتذللين الذين سيرفعون من شأن النظام الجديد.

وكل ما قيل لن يغير شيئاً، لكن الحديث عنه ضروري نوعاً ما، لأن من يملك نزعة فطرية لتحقيق بلد حرية فعليه أن يُسقط كل شيء وألا يعتبر أنّ هناك أي حالة تقديسية، والمطالبة في لحظة سقوط النظام وإنشاء نظام جديد، أن تتم محاكمة أي شخص يحاول أن يتزلف النظام الجديد، أو أن يدعو لاعتباره نظاماً له مكانة لأنه نظام. هو له مكانة بمقدار ما يفعل وليس لأنه نظام. على الجميع التعلّم أنّ النظام لا شيء سوى أنه هيكلية تعمل لحياة الناس.

إن كان هناك من أمل في سقوط النظام السوري وإنشاء نظام جديد، فيجب على الجميع أن يتعلم بألا يعتبر النظام شيء ذا قيمة سوى أن يطبق القانون.

من الصحيح أن الأنظمة الديكتاتورية تسعى لتعليم الناس على الخطابات التأييدية، لكن جزء كبير من الناس يمتلكون عقلية فطرية في التأييد دون دفع من أحد، إنهم المصفقين، أولئك الذين لا يفهمون الحياة سوى كحالة وجود أبوي لتسيير سلوكياتهم، وهذا ليس ضرب من الخيال، إنهم أناس واقعيون ويعيشون يومياً بيننا. يكفي أن ننظر حولنا لأي شخص يدعم أي نظام خارجي ويعجب به تحت اسم أنه يحقق أيديولوجيا الشخص المعجب، فيسعى جاهداً لإثبات أنّ هذا النظام هو نظام حريات ونموذج يجب السعي إليه، هناك من يؤيدون السعوديون والقطريون والأتراك والروس والأمريكان. إنهم يصفقون دون أن يأمرهم أحد بذلك، وهؤلاء أنفسهم سيعودون في حالة انتصار وإنشاء نظام جديد ليبدؤوا بالتصفيق والتهليل بطريقة مخزية ومبتذلة. إنها قمة الوضاعة البشرية.

إن كان هناك من أمل في سقوط النظام السوري وإنشاء نظام جديد، فيجب على الجميع أن يتعلم بألا يعتبر النظام شيء ذا قيمة سوى أن يطبق القانون، ولا أي فرد في أي مؤسسة للدولة له قيمة سوى أنه كيان مهمته خدمة البشر، وبطريقة ما يجب أن يكون هذا جزءً من الدستور.

بأبسط الأشكال، إنه عبارة عن رئيس لا يستحق حتى أن نحتفظ له بصورة، اللهم إلا في اللقاءات الدبلوماسية. وأعتقد يجب أن يكون هناك مادة جوهرية في الدستور: يمنع تعليق صورة لأي مسؤول في الدولة داخل الأماكن العامة، وكل من يعلق صورة مسؤول أو ضابط يُحاكم بتهمة التزلف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.