الوسطيّة المعرفيّة محاولة للتهرب من العقليّة التي ساهمت بتدمير الإنسان السوريّ

الحياة في الجزيرة العربيّة التي جاء منها الإسلام، لم تكن أبداً بيئة جاهلة وهمجيّة مثلما حاول مُنظّرو الإسلام وصفها، بل كانت بيئة ممتلئة بالمذاهب والأديان والثقافات التي تحترم خصوصيّات بعضها البعض.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

ما يدعو للاستغراب بعد كلّ ما جرى في الواقع السوريّ، تلك الحالة الاجتماعيّة والثقافيّة التي تحاول جاهدة الدفاع عن جزءٍ أصيل من العقليّة التي ساهمت بتدمير الإنسان السوريّ، ومحاولة تقديم معادلات متّزنة لخلق ما يُسمّى بالوسطيّة المعرفيّة، والتي تتجسّد تحت شعار “أنّ السلوك المُمارس لدى بعض الجهات ذات التوجّه الدينيّ، هي فئات لا تمتّ لحقيقة الدين بصلة، وأنّ الوعي الديني منها براء”.

فكثيراً ما نسمع شخصاً يقول: إنّ من يمثّلون الدين هم أبعد بكثير عن حقيقة الدين الحنيف.

يُفسِّر الوعي الثقافيّ الشرقيّ جوهر النظرية الإسلاميّة، كجوهر روحانيّ سلميّ، محاولاً إظهار فكرة الإسلام كرؤية حضاريّة غير دمويّة، رغم المعرفة العميقة بأنّ الإسلام هو دين حياتيّ، لم يتوقّف عند فكرة العبادة المباشرة مع الربّ، بل تعدّاها ليتدخّل بأدقّ التفاصيل اليوميّة، من طرق المعيشة والمأكل والمشرب والعلاقات البشريّة وحتّى الحرّيّة الشخصيّة بأبعادها كافّة بما في ذلك الجنس.

لكن رغم ذلك، يذهب ذلك الوعي إلى الدفاع أنّ الدين الإسلاميّ جاء كرسالة حضاريّة لتطوير الحياة، وأنّه جاء مُخلّصاً الإنسان “ما قبل الإسلام” من الجهل والتردّي والعبوديّة والذلّ، واصفاً المرحلة الجاهليّة بأنّها مرحلة استعباد للإنسان.

إنّ الحياة في الجزيرة العربيّة التي جاء منها الإسلام، لم تكن أبداً بيئة جاهلة وهمجيّة مثلما حاول مُنظّرو الإسلام وصفها، بل كانت بيئة ممتلئة بالمذاهب والأديان والثقافات التي تحترم خصوصيّات بعضها البعض.

فالجزيرة لم تكن بمجملها بيئة وثنيّة، بل كانت تنتشر بصحرائها ديانات عميقة وقديمة كاليهوديّة التي كانت تمتلك مناطقها في المدينة، والنصرانيّة التي تمتلك أديرتها في نجران والحيرة، والمجوسيّة والصابئيّة والحنيفيّة، إضافة للعنصر الثقافيّ الأهمّ، وهم علماء وشعراء ومفكرو وملاحدة قريش وزنادقتها، أو ما يمكن تسميتهم بـ “مادّيو العصر الوثنيّ”، فلم يكن أحد من أولئك العقائديّين يعتدي على غيره، وكان الجميع يعيش بحالة من السلم والتماثل والوئام والمناظرات الثقافيّة التي تجسّدت بلغة الشعر، فكانت الحروب فيما بينهم حروباً تناظريّة وثقافيّة بحتة.

كانت مكّة مثالاً للتنوّع والتعدّديّة في جزيرة العرب، فلم يشهد المجتمع العربيّ قبل الإسلام أيّ نوع من التناحر الدينيّ أو المذهبيّ، وخير مثال على ذلك، ما جاء عند البلاذري في كتابه أنساب الأشراف، عندما دعا الرسول محمّد عمّه أبو طالب للتوحيد وترك عبادة الأوثان، فجاء ردّ أبي طالب “أمّا دين آبائي، فإنّ نفسي غير مشايعة على تركه، وما كنتُ لأترك ما كان عليه دين عبد المطلب، ولكن انظرْ الذي بُعِثتَ به فأقم عليه”.

ذلك الكلام الذي تفوّه به أبو طالب، والمُتّفق عليه في السير الإسلاميّة، لا يُمكن فهمه سوى بطريقة واحدة أنّ جواب عمّ الرسول يدلّ على عمق ووعي بأنّ ثقافة الجزيرة لا تتدخّل بأيّة دعوة دينيّة أو ثقافيّة إن كانت مسالمة، فللجميع دياناته وعباداته الخاصّة، ولم تكن قريش غافلة عن المشهد الدينيّ الذي بدأ بالتشكّل، ولم يكن لديهم أيّة مشكلة معه في البداية كدعوة سلميّة تقوم على المناظرة، لقد رضوا به بشرط أن لا يسخر من عباداتهم ودياناتهم، ودليل ذلك بأنّ قريش كانت قد هضمت واستوعبت ديانات سماويّة كالنصرانيّة واليهوديّة.

كانت الديانات السماوية في أرض الصحراء تمارس حياتها وعقائدها دون أيّ اعتراض أو إيذاء من قبل قريش الوثنيّة، إلّا الذين عابوا قريش بآلهتها واستخفّوا بها وبعقائدهم وأعرافهم، فقد أخرجتهم قريش من أرضها، فمكثوا على أطرافها.

صورة تعبيرية (مركز سمت)

كان الشعر والثقافة والجدال والنقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة، أساس البيئة العربيّة قبل الإسلام. ولقد وثّق القرآن جدال القرشيّين “الخصوم الفكريّين” للدعوة، شاغلة مساحة واسعة من السور المكيّة. فوصف القرآن أولئك الخصوم بأحاديثهم عن قصص الأنبياء التي وردت في التوراة والأناجيل، وأعاد القرآن سردها بـ “أساطير الأوليين”.

كان القرشيّون يمتلكون عقلاً ثقافيّاً قائماً على احترام الآخر، وإطّلاع معرفيّ واسع على الديانات والميثولوجيا المتداولة في ثقافات الشعوب الأخرى، فلم تكن الجزيرة بيئة منعزلة عن العالم الخارجيّ مثلما جاء في الإسلام.

لم يكن الخصوم الفكريّون للدعوة، هم من يعبدون الأوثان أو من يتعبّدون في الديانات الأخرى، بل كانوا على وجه التحديد الطبقة الثقافيّة الثريّة والمتعلّمة في شبه الجزيرة، تلك الطبقة التي كانت قد تعرّفت إلى العالم الخارجي في بلاد الهند وفارس وتعلّمت الطبّ والكيمياء والموسيقى، أولئك الذين أطلق عليهم الشهرستاني اسم “مُعطِّلة العرب” أو “الدهريّون”.

أولئك الخصوم الذين كانوا العقبة الحقيقة بوجه الإسلام، وكان لابُدّ من إزاحتهم ليكون للإسلام ذلك الامتداد، فلم يكن أحد من مؤمني الدعوة يستطيع مجابهتهم على مستوى المعرفة والثقافة، فكثير منهم قُتِلوا أسرى في معركتي أحد وبدر. فمنهم داهية العرب أبو سفيان بن حرب، والذي أسلم لأنّه داهية الذكاء، وهو الوحيد الذي سَلِمَ من بطش أصحاب الدعوة، والطبيب النضر بن الحارث بن كلده الذي درس علوم الطبّ في بلاد فارس وهو أوّل من أدخل آلة العود إلى شبه الجزيرة، حيث كانت الجزيرة لا تعرف سوى موسيقى النصب، والوليد بن المغيرة المخزوميّ والد خالد بن الوليد. والعالم الديني ورقة بن نوفل. وهذه بعض الأسماء من كثير آخرين كانوا عقبة في وجه الإسلام الذي لم يكن قائماً أساساً سوى على الجهل والتخويف.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.