الواقع الجديد للشرق الأوسط.

لم يعد البترول واسرائيل هدفين أساسيين في السياسه الخارجيه الأميركيه .

خاص بالأيام || بقلم زياد الرفاعي 

قد لا يختلف السياسي الاميركي كثيرا عن باقي سياسيي العالم الديمقراطي، وكمثيله في اماكن عده على وجه البسيطه، على هذا السياسي ان يخوض معركتين، واحده بإملاء من القناعات الشخصيه والاخلاقيه، وثانيه لطرح هذه القناعات على الناخبين بشكل يسمح بإقناعهم بتوافق تلك القناعات مع مطامح ورغبات ناخبيه.
هذه القناعات تتلخص عند اليمين الامريكي، ناخبين و سياسيين، بمجموعه مبادئ غالبها يستند على قواعد تم استيحائها من روح الكتاب المقدس ومنها ما يهتم بأمن اسرائيل مباشرة.

وهم يمثلون مجموعة بشريه في ازدياد مضطرد من حيث القوة السياسيه والعددية، والتقسيمات الاميركيه لهم متعدده بعضهم ينضوون تحت لواء المسيحيه الصهيونيه واخرون تحت لواء المحافظين الجدد، لكن المنهج العام للجميع هنا هو القضاء على علمانية الدولة والإيمان بأن جزءا من رسالتهم قائم على تفسير الأيه 12-3 في سفر التكوين واللتي تقول:

“سأبارك (والمقصود هو الله) من يباركك وألعن من يلعنك (المقصود هو اسرائيل)” على انها السياسه الخارجيه الحقه اللتي ينبغي على الدوله الاميركيه اعتمادها.

من المهم معرفة ما سبق ذكره اعلاه لإدراك سبب تذمر بعض الاميركان الذين يشتكون من تخبط سياسة الولايات المتحده في الشرق الاوسط ويرتجون ان تكون داعش فعلا صناعه اميركيه وليس نتيجة لتخبط تلك السياسه فيما يختص بشؤون المنطقه.

في الحقيقه هذه مبالغه من قبلهم للتأكيد على رفضهم للسياسه الخارجية الجديده للولايات المتحده واللتي تمثل واقع جديد مفروض على المنطقه.
مما لا شك فيه بأن النظره الأولى لتلك السياسه تظهر متناقضات في القول والفعل لا يمكن تفسيرها ببساطه.

فمثلا تزويد امريكا لاسرائيل بقنابل البنكر بسترز في 2011 تم اعتباره في العديد من وسائل الإعلام خطوة اولى في توجيه القياده الإسرائيليه لقصف المنشئات النووية الايرانيه ومباركة هذا العمل في وقت كانت العلاقات الرسمية بين الدولتين تعاني من ازمه خانقه تتسبب في تدهورها كل ساعه.

مثال آخر:  تحول حشد القوة البحريه الاميركيه قبالة سواحل سوريا بغية اسقاط نظام الاسد الإجرامي الذي لم يكترث بالخط الاحمر ثم تلخيص الثوره السويه بشهدائها ومفقوديها ومهجريها الذين بلغ عددهم جميعا انذاك ما يقارب المليون انسان، تلخيصها باستخدام النظام للأسلحه الكيمياويه فقط في ترسانه تسليح كانت تبدو انذاك بانها لا تنضب لا من اسلحه مسموحه او من اسلحه ممنوعة الاستخام دوليا.
الا أن هذه السياسه اللتي قد تبدو للبعض عشوائيه، لها ايضا بصمات وضعها اللآعبون ومنذ فتره ليست بالقصيره، وقد يكون في اعادة النظر بتلك البصمات طريقا لتسليط الضوء على الواقع الجديد الذي تحياه اليوم منطقة الشرق الأوسط.
أولى الملاحظات واللتي لا بد من ذكرها هي رأي –انذاك سيناتور اوباما- اثناء حملته الانتخابيه الاولى تجاه الموقف الاميركي العدائي لإيران.

والسيناتور لم يكن يوما من انصار ايران الاسلاميه، لكنه صرح ومن خلال عدة مناظرات خطابيه متلفزة مع اترابه من اعضاء الحزب الديمقراطي، وفيما بعد مع مرشح الحزب الجمهوري الذي اشتهر باغنيته الساخرة بامب ايران، صرح بانه من السذاجة بمكان لدوله عظمى ان تعلن عن عدم رغبتها في التعامل مع ايران بأي شكل وأن ترفض مبدأ التفاوض السياسي وتستبدله بمبدأ التهديد العسكري.

هذه الرؤيه للسيناتور أوباما تكللت في منتصف صيف 2015 بتوقيع الرئيس اوباما اتفاق مبدأ التعامل النووي للجمهوريه الاسلاميه كما يراه المجتمع الدولي مناسبا.
وصف جوناثان ماركوس في مقاله نشرتها البي بي سي وعلى لسان بعض من قابلهم اثناء تحضيرها وكتابتها علاقة الإداره الإسرائيليه بالإداره الأميركيه حاليا وصفها ” بحروب باراك-بيبي”.

والمقصود أوباما نتنياهو
وقد يرى بعض المحللين بأن السعي لنجاح الإتفاق الاميركي الايراني في المباحثات النوويه سببا اساسيا لهذا الخلاف الا ان موقف الادارة الاميركية من نظيرتها الاسرائيليه قد بدأ بالتصدع في 2010 وبعد الضغط الذي مارسته الاولى على نتنياهو للتوصل الى اتفاق سلام لم يحصل مع السلطة الفسطينية ومرورا برفض اسرائيل تمديد قانون وقف المستوطنات في الاراضي المحتله والفشل في الوصول الى اتفاق بشأنه.

الا أن السابقه الدوليه كانت بقبول نتنياهو دعوة الكونغرس الاميركي له للتحدث امام الكونغرس اثناء حملة رئيس الوزراء الانتخابيه الأخيره واستعمال شعبية الاخير في محاوله يائسة لإخراج عجلة المفاوضات مع ايران عن السكه مما دفع بالرئيس الأميركي لشجب السابقة الإسرائيلية ووصفها بأنها محاولة خالية من اي لباقه سياسيه ومصممه لكسب سياسي في صناديق الاقتراع الاسرائيليه.
في حملته الأولى صرح الرئيس اوباما برغبته في انهاء الوجود العسكري الاميركي بالعراق. وقد حافظ على وعده الانتخابي
بسحب آخر عشرة الاف عسكري اميركي بعد فوزه بتجديد ثاني وقبل انتهاء فترته الرئاسيه الأولى بشهر تقريبا.
وقد يرى البعض في ضوء المستجدات على الساحه الشرق اوسطيه انذاك بأن قرارا كهذا كان بمثابة القاء ماء على قدر زيت مشتعل، وانا لا اخالفهم الرأي هنا ولا اخالفهم ايضا ادراك هذه الاداره نتائج هذا الإنسحاب، فهناك العشرات من الخبراء العسكريين ومستشاري السياسه الخارجية وخبراء امنيون ومستشاري الاستخبارات ممن ابدى تحفظه من وفي بعض الاحيان مخالفة رأي الإداره. لكن الحاح الإداره على اعتماد رأي القله ممن له خبره اقل في شؤون الشرق الأوسط برأيي هو مؤشر يدل على ان الإدارة قد سبق لها واتخذت القرار بسحب القوة الاميركيه المتبقيه وان المشاورات لم تكن اكثر من غطاء سياسي استخدمته الإدارة الاميركيه لتصبغ القرار بصبغة توحي بأنها نتيجة استشارة الخبرات.
كل هذه الأمور تؤكد لي انه في واقع الأمر هناك تغيرا ملحوظا في السياسه الخارجيه للولايات المتحده وهذا التغير لا يخفى على احد خصوصا محليا. ويرى الكثير ممن يعنون بسياسة الولايات المتحده بأن عهد الرئيس أوباما قد ترافق بميل الى السياسة الجاكسونيه –نسبة للرئيس السابق اندرو جاكسون-
قد لا يعني هذا التغيير في المنحى السياسي الاميركي تغيرا آنيا في اولويات حماية اسرائيل فهذه الأولويات لا تزال موجوده لكنه يظهر امرين.
اولا: لم يعد البترول واسرائيل هدفين اساسيين في السياسه الخارجيه الاميركيه الآن، ويؤكد ذلك ايضا القرار التاريخي الجديد بالسماح للمره الاولى بتصدير النفط المستخرج محليا خارج الولايات المتحده.
ثانيا: منطقة الشرق الاوسط تحيا مرحلة ما بعد النفوذ الاميركي وربما ما كان يوما ربيعا أصبح الآن الخريف العربي وتحول الى وجهه من وجوه الصراع على بديل لأميركا. أو ربما كان كذلك منذ بداياته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.