الهيمنة الذكورية شكل راقٍ من أشكال العنف الرمزي

قراءة في كتاب الهيمنة الذكورية لـ بيار بورديو

كيف نحرر المرأة؟ وعلى ماذا ترتكز الهيمنة الذكورية؟ أهي معطى طبيعي أم بناء تاريخي؟ وهل تتيح المقاربة بالسلطة التفكير في الشأن الأنثوي؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه بيار بورديو في كتابه “الهيمنة الذكورية”.

الأيام السورية؛ هدى عباس

يمضي بنا كتاب عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو “الهيمنة الذكورية”، ليكشف طرق الهيمنة التي يمارسها الذكر على الأنثى. ويوغل عميقاً طبقات العقل الأنثوي مفككاً كيفية إسهامه في إقرار الهيمنة على المرأة، رمزيا ولغويا وسوسيولوجيا، لدرجة أنه يتتبع طرائق استدماج الخطاب الذكوري وإعادة تمثلها جسديا من قبل المرأة نفسها.

العنف الثقافي الممارس ضد المرأة ودورها في تأكيده

اهتم عالم الاجتماع بيار بورديو، طوال حياته بمفهوم “العنف الرمزي” وفي كتابه هذا، يغرق في تفاصيل العنف الثقافي الممارس ضد المرأة بوصفها مهيمَناً عليها من قبل خطاب صاغه الذكر. وبما أن الأخير مهيمن دائما فقد استدمجت المرأة وعيها في رؤيته فصارت عونا له على نفسها.

لكأنها يئست من أية مقاومة لذلك الخطاب فسلمت أمورها لمضطهدها، بل هي لم تقتنع بذلك إنما راحت تضطهد نفسها بنفسها باستعارة منظور الرجل وعينيه وذائقته وأفكاره، فباتت “تتفحل” ضد أنوثتها لإرضائه، لا بأن تكون فحلا أو “مسترجلة”، بل على العكس، بأن تكون أنثى مثالية بمعيار الذكر لا بمعيارها.

وبينما هي تتحول هذا التحول الخطير، كان صاحبنا قد استراح من عناء الهيمنة وأيقن أن النظام استقر وانتهى أمره؛ المرأة صارت رجلا بعينيها وفكرها وجسدها فاستدمجت نهائيا بأنوثة مضفاة عليها. صارت ملكه، لا بجسدها حسب، بل بمخيالها ونظامها المعرفي.

العنف الرمزي

يعتر بير بورديو، أن الهيمنة الذكورية، ما زالت قائمة عبر ما يسميه “العنف الرمزي” ذلك العنف “الناعم واللامحسوس و اللامرئي من ضحاياه أنفسهم، الذي يمارس في جوهره بالطرق الرمزية الصرفة للاتصال والمعرفة أو أكثر تحديدا بالجهل والاعتراف أو بالطاعة حدا أدنى”.

لا يخفي بورديو في مقدمة الدراسة دهشته المتواصلة وهو يرى خضوع عالم اليوم لنظام العالم السائد في الأزمنة الغابرة بوجهاته، فالمركزية الرجولية التي تضع الرجل في موقع المركز وتضع المرأة في الهامش حيت تشكل الهيمنة الذكورية شكلا راقيا من أشكال العنف الرمزي كما يعتبر استيعابها مدخلا رئيسيا في فهم بعض العلاقات الاجتماعية والسياسية الموجودة في المجتمع كالعلاقة (بين رب العمل بالعامل) فالتعارض بينهم لا يمكن فهمه الا من خلال الهيمنة الذكورية التي تشيع ممارستها على الصعيد الكوني باعتبارها ظاهرة طبيعية، متجذرة في اختلاف الجنسين.

بيد أن هذه الهيمنة في الواقع هي نتيجة بناء تاريخي مُقام انطلاقا من عناصر متماثلة. على هذا النحو نفكر هيمنة مقولات الفكر التي تعتبر هي نفسها نتيجة لهذه الهيمنة. على قاعدة الاختلاف الفيزيولوجي الملاحظ، يقوم نظام من التصنيف كوني يقابل في جميع المجالات بين الأعلى والأسفل، الحار والبارد، النشيط والسلبي، الثمين والزهيد، القوي والضعيف.

عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو

ظاهرة كوزموبوليتية

الظواهر التي يتأملها بورديو في الكتاب بالغة الجدة والطرافة وهي تعمُّ جميع الثقافات، فموضوعة الهيمنة الذكورية كوزموبوليتية ولا تقتصر علينا فقط. انظروا مثلا كيف يفسر نزعة المرأة للاقتران بمن يكبرها في السن، هذه الظاهرة توجد عندنا طبعا كما هي موجودة في فرنسا وفي أوساط الحرفيين والكسبة تحديدا. يقول إن ذلك يأتي تماشيا مع رغبة المهيمن، أي الرجل، فهو يفضّل الأصغر منه سناً لتأكيد هيمنته الرمزية أمام الأخرين. وعلى ذلك، تستدمج المرأة هذا المنظور فتعدُّ نفسها منقوصة إذا ما اقترنت برجل أصغر منها سنّا. ليس لأن النقص متعلق بها بل بكونه متعلقاً بالذكر الذي وضع كبره بالسن معيارا لهيمنته.

في الواقع، يعتبر العمل في تشييد الشأن الرمزي، تشغيلا لعنف رمزي وكأنه عنف طبيعي، ذلك أنه يطبع النساء والرجال على حد سواء. هكذا تجد النساء أنفسهن تحكين وضعيتهن استنادا إلى معايير الإيديولوجيا الذكورية المهينة، محرضات على انتقاصهن الذاتي. وبالاستناد إلى إحصائيات، يظهر بيير بورديو إلى أي حد تتبنى أغلبتهن، وبكيفية لا شعورية كليا، وجهة نظر الرجال في تقييم تصرفاتهن. هكذا، فإن “ثلثي النساء الفرنسيات يصرحن برفضهن الاقتران برجل يصغرهن سنا، مبديات بذلك تعلقهن بعلامات التربية الجنسية”.

الذكورة والأنوثة في الأنثربولوجيا

الحال أن بورديو لا يعرض الظواهر من دون تمحيص دقيق. هذه هي عادته. وهو في هذا الكتاب بالذات، لا يكتفي عند حدود السوسيولوجيا بل يحايث الأنثربولوجيا بسبب علاقتها الوثيقة بموضوعة الذكورة والأنوثة. لذلك تراه يمرُّ بإشارات الجسد وتراتبياته فيما يخص وضعيات الحب بين الرجل والمرأة، عارضا تفسيرات ممتعة لبعض الأساطير والخرافات التي تمجّد وضعية العلو الذكوري والسفلية النسوية. ثم يمضي في تأويلاته بعيدا ليتأمّل في تراتبية المخبوء من الجسد والظاهر منه بوصفها مركزية لتبيان معايير تفضيل الذكر على الأنثى.

تحليل آليات الهيمنة والخضوع

يحاول بيار بورديو تحليل آليات الهيمنة والخضوع والتبادل الاجتماعي والتساؤل النقدي عما هي الآليات التاريخية المسؤولة عن نزعة التأبيد النسبي لهذه الهيمنة والتي هي نتاج عمل التاريخ والمؤسسات (الكنيسة، الدولة، المدرسة) والتي يمكن ان تكون مختلفة في وزنها النسبي ووظائفها في الحقب التاريخية عبر سلسلة من أنظمة التحريم البطرياركية، فضلاً عن هيمنة استراتيجية اقتصاد المتاع الرمزي والذي يمثل الزواج أحد أشكالها، حيث يتم إقصاء النساء من عالم الاشياء الجدية ومن الشؤون العامة وربطهم بإعادة الإنتاج البيولوجي والاجتماعي.

قراءة الأسطورة التأسيسية للهيمنة الذكورية

تكمن قوة عمل بورديو إظهار أولية قلب العلاقات بين الأسباب والنتائج وتشييد الشأن الرمزي، استناداً إلى تعابير الايديولوجية الذكورية فهو يعيد قراءة الاسطورة التأسيسية للهيمنة الذكورية.

وهنا يتأكد قصد التبرير الاجتماعي دون مواربة، فالأسطورة التأسيسية تقيم، عند ذات أصل الثقافة المفهومة باعتبارها نظاماً اجتماعياً محكوماً بالمبدأ الذكوري، وسوسيولوجيا سياسية للفعل الجنسي ستظهر مثلما هي الحال دائماً في علاقة سيطرة.

على هذا النحو تجد السيطرة الذكورية كل شروط تطبيقها الكامل مجتمعة فالأسبقية المعترف بها للرجال بشكل شامل تتأكد في موضوعية البنيات الاجتماعية ونشاطات الإنتاج وإعادة الإنتاج القائمة على أساس تقسيم جنسي لعمل الإنتاج البيولوجي والاجتماعي الذي يمنح الرجل النصيب الأفضل. ويقول بورديو “إن الذكورة كما نرى هي مقولة عقلانية للغاية مشيدة في مواجهة ومن أجل الرجال الآخرين وضد الأنوثة ضمن نوع من الخوف من المؤنث داخل المرء ذاته أولاً.”

غلاف الكتاب
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.