الهوية والانتماء..

هل يمكن الجزم أن المكونات القومية والإثنية كانت إبّان مراحل النهوض بعيدة عن التمترس خلف هوية خاصة لها؟ وهل صحيح أنها كانت تنتسب للأحزاب الموجودة بشتى خلفياتها وفقاً للقناعة وليس للانتماء العرقي؟

134
الأيام السورية؛ عقاب يحيى

جميعنا، تقريباً، لسنا مخيّرين في هويتنا لا القومية، ولا الدينية، ولا المذهبية، ولا غيرها، إذ أن الولادة هي التي تحددها، بما في ذلك أسماؤنا، ولا شكّ أنها تترك أثراً قوياً فينا، على الأقل حتى مرحلة البلوغ والوعي حين يمكن تحديد موقف ما، علماً أن الأغلبية الساحقة تظلّ محافظة على ما ولدت به، وألفت، وتشكّلت، وقد يكون الانتماء مختلفاً نسبياً باعتباره يمنح فرصة للتغيير، وحتى التعددية فيه، بما في ذلك ازدواجية الانتماء، وأكثر.

الانتماء يرتبط، إلى درجة كبيرة عند فئات مختلفة بمدى ما يقدّمه للفرد والمجموعة من تحقيق مصالح ومساحة للذات، ورغبات وعوامل شدّ وجذب، أو العكس، وعلى سبيل المثال فالأمم القوية، الموحدة تكون جاذبة ليس لأبنائها الذين ولدوا فيها ويحملون جنسيتها وحسب، بل لعدد كبير من الشعوب الأخرى التي تحاول ـ بوسائل مختلفة ـ الحصول على جنسيتها والانتماء إليها، وحال الولايات المتحدة الأمريكية يمثل أنموذجاً متكاملاً، بينما وضع الأمة العربية يشكّل شيئاً مختلفاً يصل حدّ التناقض لدى فئات واسعة من أبنائها، خاصة في العقود الأخيرة التي اتسمت بالتهاوي، والفشل، والهزائم، وبحالة استثنائية من مصادرة الحريات العامة والخاصة على يد نظم استبدادية (متفاوتة النسب)، نهابة، فاسدة، لا تملك أي مشروع لها مما يضعها في موقع التبعية، وقد يصل ردّ الفعل درجة التنكّر للأصل واحتقاره، وصولاً إلى ما يعرف بالانخلاع، وهي ظاهرة تكاثفت في العقود الأخيرة.

الانتماء يرتبط، إلى درجة كبيرة عند فئات مختلفة بمدى ما يقدّمه للفرد والمجموعة من تحقيق مصالح ومساحة للذات، ورغبات وعوامل شدّ وجذب، أو العكس.

في مرحلة الأربعينيات والخمسينات من القرن الماضي حين كانت الأمة ـ على العموم ـ تحمل مشروعاً نهضوياً، تحررياً، توحيدياً، وتقاوم حركاتها التحررية ضد الوجود الاستعماري وتركته الثقيلة، وتعمل على بناء دول حديثة تعزز الاستقلال الذاتي، وترفع الكثير من الشعارات الواعدة؛ كانت معظم الأجيال، على مختلف مشاربها، تؤمن بأنها تحمل قضية عامة وطنية وقومية تعلو على المصالح الذاتية، وتدفع للالتزام والتضحية في سبيلها، لدرجة أن شعوباً متواجدة في الوطن العربي ـ أصلية أو وافدة ـ كانت تفخر بانتمائها، أو اصطفافها مع الأمة ومشروعها النهضوي، ويمكن تلمّس ذلك حتى في العقود الأخيرة عندما كان يحقق نظام، أو مجموعة نصراً ما في جبهات المواجهة مع الأعداء كيف كان التفاف الأغلبية الشعبية حوله، والفخر بالانتماء، ويمكن الجزم أيضاً أن بقية المكونات القومية والإثنية كانت إبّان مراحل النهوض بعيدة عن التمترس خلف هوية خاصة لها، ويُقبل عديدها على الانتساب للأحزاب الموجودة بشتى خلفياتها وفقاً للقناعة وليس للانتماء العرقي، بما في ذلك انخراط أعداد ليست قليلة من مكوّنات قومية غير عربية إلى أحزاب قومية عربية غير عنصرية، ناهيكم عن وجود فئات واسعة في الأحزاب الشيوعية والإسلامية واليسارية والليبرالية.

لكن بتضافر مجموعة عوامل متتالية، ومتراكبة حدثت انعطافات كبيرة في مسألة الانتماء تجاوزت المكوّنات القومية غير العربية إلى قطاعات عربية واسعة، خاصة من الأجيال المتعاقبة التي أصيبت بالإحباط، وعمل كثيرها على فكّ ارتباطه بانتمائه، والبحث عن بديل، وكانت الهجرة الخارجية التعبير الأقسى عن حال الأمة وما وصلت إليه حيث أن ملاييناً من الشباب لجأت، أو حاولت اللجوء إلى أوربة وغيرها ولو عبر وسائل خطيرة كانت تودي بحياة الكثيرين عبر ركوب البحر بطريقة غير نظامية وبدائية في معظم الأحيان (في الجزائر أطلق على هؤلاء اسم الحراقة، أي الذين يحرقون أوراقهم الرسمية من هوية وجواز سفر، وقوانين لتأمين العبور)، واستخدام أشكال من التحايل، ونشوء شبكات للتهريب أشبه بالمافيات، عدا عن حلم عدد واسع بالهجرة.

أعتقد أن الفشل في تجسيد المشروع النهضوي يشكّل الحاضنة العامة لخلخلة موقع الانتماء لدى الأجيال، وما أعقبه ذلك من تحطّم، ثم تلاشي ذلك المشروع، وحدوث تحولات ارتدادية شاملة، مناقضة لما كان سائداً لعقود انقلبت فيها المفاهيم والشعارات والسياسات وغاب فيها، حتى على مستوى الدولة القطرية، وجود مشاريع عامة، أو خاصة بها، وتكريس أنماط من الاستبداد المكين، وامتهان حقوق البشر وكرامتهم، وتضييق مساحة وجودهم درجة الاختناق، وتغوّل الدولة الأمنية مطلقة الصلاحيات في أجهزتها الأخطبوطية التي لا تقيم وزناً للقوانين التي تضعها تلك النظم، فسادت في عموم الوطن العربي ظاهرة الهروب، أو الهجرة بحثاً عن بلاد مختلفة، أقلّ ما فيها أنها توفر شيئاً من حقوق الإنسان، وتمنحه هوامش من الحرية الشخصية، ومن الكرامة، والعدالة في تطبيق القوانين السائدة، ويجب الإشارة هنا إلى أن استنقاع الأوضاع العربية، وتجويف القضايا العامة واستبدالها بتأبيد النظم، وبمافيات تلتهم الناتج الوطني، والأزمات المتتالية فيها، وترسيخ التبعية للخارج، عوامل تضعف الانتماء لدى الناس وتؤدي ببعضهم إلى الكفر بالعروبة وكل ما يمتّ لها بصلة.

علينا أن نشير في هذا المجال إلى عامل هام يخصّ المكوّنات القومية غير العربية والذي أسهم في توريم الإشكالات وبروز دعوات تتسم بردود الفعل ومحاولة الحفاظ على الذات.

لقد مارست عديد الأحزاب القومية العربية، خاصة الحاكمة منها، عنصرية، متفاوتة التناوب، أحادية لا تعترف بوجود الآخر غير العربي، ولئن اعترفت، وربما مضطرة أحياناً به، فقد عملت على قمع حقوقه، وفرض منظومتها الأيديولوجية عليه بدءاً من التعامل معه كعربي ولو بالجبر، إلى عملية قسر الجميع على الخضوع لمنظوماتها وسياساتها، مما ولّد ردود أفعال حادّة عند قطاعات واسعة في تلك المكونات تؤثر على التعايش، والوحدة الوطنية والمجتمعية، وتفتح الأبواب لأشكال من الاستثمار الخارجي.

أعتقد أن الفشل في تجسيد المشروع النهضوي يشكّل الحاضنة العامة لخلخلة موقع الانتماء لدى الأجيال، وما أعقبه ذلك من تحطّم، ثم تلاشي ذلك المشروع، وحدوث تحولات ارتدادية شاملة.

خلال الثورة السورية التي أطلقت العنان لكل التوجهات والنوازع برزت قضية المكوّنات المتموضعة منها والجديدة تبحث عن كينونة لها استناداً إلى العوامل القومية بالأساس، الحقيقية منها والمضخّمة، ومحاولة الاستفادة من هذا الوضع لمزيد من إيجاد هيئات وأحزاب قومية لا يتوفر لكثيرها مقومات ومبررات كافية لاستمرارها.

لكن التحدّيات التي تواجهها سورية، بما فيها احتمالات التقسيم التي تتموضع عبر مناطق النفوذ، وسيطرة “قسد” بثقل الـ”pyd”، ومن خلفه الـ”pkk” على معظم مناطق الجزيرة والفرات بظل الدعم والوجود الأمريكي يثير مخاوف الأغلبية العربية وبقية المكوّنات غير الكردية، ويمكن أن يدفعها لأفعال ستسهم ولا شكّ في تقوية وترسيخ عوامل الانتماء، بما في ذلك ردود أفعال ستزداد تمسكاً بهويتها العربية كملجأ وحصن دفاع عن الوجود.

ورغم أمواج الإحباط، وما فعلته النظم الحاكمة من تشويه للهوية والانتماء، فإن الأمة العربية كأمة تاريخية تملك مقومات الصمود والاستمرارية لا بدّ وأن تملك وسائل النهوض، وفي الأساس منها قيام نظم ديمقراطية تعددية تعامل الجميع من مختلف الفئات والمكوّنات بمساواة يكرّسها دستور يختاره الشعب، والاعتراف بدءاً بتلك المكوّنات وحقوقها في إطار الوحدة السياسية والجغرافية والمجتمعية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.