الهوية السورية ونزعة الإنكار في أوساط المعارضة العلمانية السورية

إنّ المعارضة العلمانية هي الجهة التي يُفترض أن تكون صاحبة الطروحات الأكثر نضجاً لأنها نظريّاً تسعى للوقوف على مساحة متساوية من الأديان، ومن المفترض أن تكون أكثر واقعية في رؤيتها للمشكلة الطائفية في سوريا.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

يقول المنطق البشري بأبسط صوره أن أول خطوات معالجة مشكلة ما هو الإقرار بوجودها، تطرح هذه الفكرة نفسها حين نتأمل النقاشات الدائرة بين السوريين ونخب المعارضة حول الهوية السورية، وما تعانيه من تصدعات طائفية وإثنية، ومناطقيّة، حيث يبدو أن المشترك الوحيد الذي تقرّ به نخب المعارضة العلمانية هو عدم تبلور هوية وطنية سورية جامعة وواضحة مقابل التهوين من كل الإشكالات الأخرى الطائفية والعرقية، أما المعارضة الإسلامية فهي تكاد تقول أن هوية سورية عربيّة إسلامية مع وجود أقليات ستحافظ على حقوقها، وهو بكل تأكيد خطاب غير عصري، وفيه إعادة إنتاج لخطاب الذمّية في حلّة حديثة.

إنّ المعارضة العلمانية هي الجهة التي يُفترض أن تكون صاحبة الطروحات الأكثر نضجاً لأنها نظريّاً تسعى للوقوف على مساحة متساوية من الأديان، ومن المفترض أن تكون أكثر واقعية في رؤيتها للمشكلة الطائفية في سوريا.

ما يلفت النظر بين عدد غير قليل من علمانيي الثورة هو وجود نزعة إنكار Denialism، تبدأ هذه النزعة بالإقرار بأن سوريا فيها تقسيمات وحساسيّات طائفية وعرقية، لكن حين ينتقل الأمر للحديث عن جذور هذه الحساسيات في التاريخ البعيد والقريب، تظهر نزعة إنكار غريبة، فحين يكون الحديث عن التاريخ البعيد وتبدأ محاولات تلطيف النقاط السوداء في ذلك التاريخ، والتعتيم عليها سواءً بحديث يقارن بين سوريا في القرنين التاسع عشر والثامن عشر بأوروبا في العصور الوسطى، وهي مقارنة تتخذ شكل كلمة حق يراد بها باطل، فمن غير المقبول استحضار الماضي في لحظة حاضرة ومعاصرة يسود فيها الخوف الطائفي وضعف الثقة بين المكونات السورية ليتم التبرير والتهوين بدل الإقرار والعلاج.

وحين يتم الحديث عن التاريخ القريب أيام نظام البعث، يبدو حزب البعث كأنه جاء إلى المجتمع السوري بعملية قفز مظلي، فيتم تضخيم منجزات الفترة الديمقراطية في الخمسينيات، لدرجة تعتقد معها أن الديمقراطية كانت راسخة.

وحين يتم الحديث عن التاريخ القريب أيام نظام البعث، يبدو حزب البعث كأنه جاء إلى المجتمع السوري بعملية قفز مظلي، فيتم تضخيم منجزات الفترة الديمقراطية في الخمسينيات، لدرجة تعتقد معها أن الديمقراطية كانت راسخة.

ويميل الكثير من العلمانيين من خلفية سنّية إلى ربط خوف العلويين الطائفي فقط بممارسات النظام، ويسعون إلى تلطيف قرون طويلة من الاضطهاد المروّع بحق العلويين بدأت عملياً منذ نشأة طائفتهم في العراق، ولا أبالغ إن قلت إن معاملة العلويين الذين كانوا يسمّون نصيريّين سابقاً كانت تشبه في سوريا ولبنان معاملة اليهود في أوربا، مما دفعهم للسكن في بيئة جبلية معزولة شديدة الوعورة وتفتقر إلى كثير من مقوّمات الحياة. يشعر المرء إن تتّبع مجمل منشورات وتصريحات كثير من المعارضين العلمانيين أنها تشكل خطاباً يقول إنّ النزعات الأقلويّة في سوريا تعني أن مجموعة بشرية صغيرة لمجرد صغر عددها قرّرت أن تصبح أقلويّة وتتصرف بخوف طائفي بدون أسباب تاريخية واجتماعية، أو أن فترة حكم البعث فقط وخاصة الأسد الأب والابن هي من خلق المشكلة.

والأنكى أن هذا الخطاب ربما عن غير قصد يجرّم الأقليات كما لو أنها كارهة أو حاقدة على أكثريّة عاشت معها بسلام ووئام، لا أبالغ إن قلت إنها مساهمة غير مقصودة في خطاب الكراهيّة.

ينسحب نفس الأمر حين نتحدث عن ممارسات طائفية قام بها النظام السوري وتكاد لا تخفى على أحد حتى مؤيدي النظام، وما أكثرها، فأذكر في سوريا أنني حين كنت أجادل موظفاً سيء التعامل في دائرة حكومية راجعتها للحصول على خدمة ما يهمس لي شخص من معارفي مرافق لي من مؤيدي للنظام: “لك لا تحكي كتير هاد علوي”.

ومن الملاحظ أيضاً أن عدداً غير قليل من العلويين المعارضين يميلون إلى إعطاء نفي الصفة الطائفية على أي ممارسات طائفية حين تتم الإشارة إليها، ويتم الحديث عن فساد عام واستبداد عام، بحيث تسأل نفسك: برأيهم ما هي الممارسات الطائفية للنظام طالما أنهم يقرّون بوجود جانب طائفي للنظام، إن كانت جميع الأمثلة المقدمة من الحياة اليومية تقابل بالنفي من قبلهم؟، أعتقد أن السبب هنا هو خوفهم الداخلي من طائفية يشعرون أنها موجودة حتى بين المعارضين غير الإسلاميين وما يمكن أن تقود إليه من انتقاماتٍ لاحقة، ودعونا لا ننسى أن علم النفس الاجتماعي أثبت أن التروما المجتمعية تنتقل من جيل لجيلٍ ونحن نتحدث هنا عن اضطهاد عمره قرون تجاه العلويين.

مما يعني أن أمام السوريين طريق طويل، لكن كم أتمنى أن توضع اللبنة الأولى في هذا الطريق الطويل، وتتوفر ظروف تساعد على المضي في هذا الاتجاه، وبكل تأكيد آخر ما يمكن أن يهيء لهذا الأمر هو ثقافة الإنكار.

فربما كانت مدن سوريا وولاياتها في الحقبة العثمانية تتمتع بتسامح نسبي وفق عقلية القرون الوسطى لكن لم تتوقف لحظة واحدة فكرة سيادة المسلمين السنة وبأشكال مختلفة وهذا التسامح لم يشمل العلويّين الذين عوملوا كمارقين أو كَفَرة.

عند الاستقلال أُسِّس البلد على أساس أن يكون رئيسه مسلماً، نعم هناك ظروف تاريخية محددة هنا لكن لا يمكن تسمية هذا الأمر سوى بالطائفية لا اسم آخر له، أو سيادة الأكثرية إن شئتم. ما حدث أيام البعث أن كل موروث إيجابي يمكن البناء عليه من تاريخ سوريا تم القضاء عليه، عُمِّقت النزعات الطائفية، وكانت النقطة السوداء الكبرى هي مجازر حماه وجسر الشغور، فقد أصبحت هنا في ذاكرة السنة أيضاً مجزرة جماعية دوافعها الأكبر طائفيّة رغم أننا يمكن أن نجادل بأن السلطات المستبدة تسلك السلوك نفسه تجاه أي معارض، وهي طريقة مستمدة من الموروث الماركسي الذي يعتبر كل ممارسة طائفية تعبيراً عن مصلحة سياسيّة، لكن لماذا نسمّي مثلاً مجازر صدام تجاه الكرد في العراق بجرائم تطهير عرقي؟ كم سيبدو الأمر سخيفاً لو قلنا أنّ صدام مستبد وسيقتل كل معارض لحكمه بغض النظر عن خلفيته القوميّة والطائفيّة، وبالتالي هذا يخلع صفة التطهير العرقي عن جرائمه.

وينطبق نفس الأمر على علاقة الريف بالمدينة، يشعر أبناء الريف بغبن طويل متوارث تجاه أبناء المدن مستمد من علاقتهم بتجار المدينة وبعض الإقطاعيين الذين كانوا أبناء مدن ويمتلكون أراضٍ واسعة في الأرياف، ثم جاء النمو العشوائي للمدن أيام البعث، وإجراءات التأميم الحمقاء غير المدروسة، ليشعر أبناء المدن أيضاً بالاضطهاد والتهميش. هذه الحساسية بين أبناء الريف والمدينة أطلت برأسها منذ لحظات الثورة الأولى رغم رفع شعار الشعب السوري واحد، ربما تكون للشعب السوري رغبات واحدة في حياة كريمة يحكمها القانون والعدالة، لكن وعي الشعب السوري لذاته ولطريقة الوصول إلى هذه الحياة الكريمة ليس واحداً، مازال هذا الوعي مثلوماً بالطائفية والمناطقية والعنصرية القومية، مما يعني أن أمام السوريين طريق طويل، لكن كم أتمنى أن توضع اللبنة الأولى في هذا الطريق الطويل، وتتوفر ظروف تساعد على المضي في هذا الاتجاه، وبكل تأكيد آخر ما يمكن أن يهيء لهذا الأمر هو ثقافة الإنكار.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.