النكتة وأثرها في القضايا السياسية

استقلال سورية تأثر بنكتة رواها فارس الخوري في مجلس الأمن

خلال مناقشة قضية استقلال سوريا في مجلس الأمن، أظهر الإنجليز معارضة شديدة، وقالوا بوجوب بقائهم فيها حتى لا يقتل السوريون بعضهم بعضاً بعد خروج الفرنسيين، وكان الفرنسيون أيضاً يقولون بوجوب بقائهم، وحجتهم؛ أنهم إذا تركوا سوريا فإنها سوف لن تنتفع من جلائهم عنها لأن الإنجليز سيحتلون مكانهم وهم لا يطيقون أن يروا الإنجليز يحتلون مكان الفرنسيين!

وكان دولة الأستاذ فارس الخوري، يرأس الوفد السوري في ذلك العام فقال لهم: إن موقفكم هذا يشبه تلك الحكاية، وهي أن رجلاً شاهد كومة من الحجارة، وقد ارتكز عليها فانوس أحمر، فسأل لماذا هذه الحجارة؟ قالوا له، حتى نركز الفانوس عليها، فسأل ولماذا هذا الفانوس؟  فأجابوه لكي يرى المارة الحجارة فلا يتعثرون بها…!!

وضحك أعضاء مجلس الأمن لهذه النكتة وأقروا الجلاء لبعد شهرين!

وأخبر الأستاذ الخوري الحكومة مفتخراً؛ أن مجلس الأمن أقر الجلاء بعد شهرين، فما كان من الحكومة إلا أن بعثت إلى فارس بك بكتاب كله استياء وعدم رضا، لأن المجلس لم يقرر الجلاء حالاً وإنما أقره لبعد شهرين، وطلبت من فارس بك أن يحتج إلى المنظمة الدولية على هذا التأجيل، فأجاب فارس بك الحكومة على كتابها بنكتة أيضاً حلت الإشكال، فقد كتب: “أنه كان في قطنا رجل ذو لحية طويلة، وفي ذات يوم ذهب إلى الحلاق ليشجب له منها، ولكن الحلاق قرط عليها كثيراً على ما يظهر حتى كاد أن يأتي عليها كلها، فاستاء وعزم على إقامة دعوى يطالبه بها بالعطل والضرر، وذهب إلى أحد المحامين يستشيره في الأمر، فقال له الأستاذ المحامي أنصحك ألا تقيم هذه الدعوى…! قال له: ولماذا؟ فقال له المحامي: لأن المحكمة لا تنظر فيها إلا بعد مضي أسبوعين أو أكثر لبينما يأتي دورها، ومن الآن لأسبوعين تكون لحيتك قد طالت ورجعت إلى ما كانت عليه!”

سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة خمسة وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضباً وحنقاً، سوريا استحملت سفالة جنودكم خمس وعشرين سنة، وآن لها ان تستقل.

وضحكت الوزارة من هذه النكتة، وقالوا: والله صحيح لأننا إذا رفعنا احتجاجنا فقد تمر شهور وشهور قبل أن يبت في القضية دون أن نستفيد شيئاً، لنقبل بالشهرين.

وبعد شهرين عقد مجلس الأمن اجتماعاً ليقر فيه استقلال سوريا استقلالاً تاماً، فدخل فارس بيك الخوري، ممثل سوريا في الأمم المتحدة، بطربوشه الأحمر وبذته البيضاء الأنيقة.. قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سوريا من أجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق، واتجه مباشرة إلى مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا..

بدأ السفراء بالتوافد إلى مقر الأمم المتحدة دون إخفاء دهشتهم من جلوس ‘فارس بيك’ المعروف برجاحة عقله وسعة علمه وثقافته في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، تاركاً المقعد المخصص لسوريا فارغاً، دخل المندوب الفرنسي، ووجد فارس بيك يحتل مقعد فرنسا في الجلسة.. فتوجه إليه وبدأ يخبره أن هذا المقعد مخصص لفرنسا، ولهذا وضع أمامه علم فرنسا، وأشار له إلى مكان وجود مقعد سوريا مستدلا عليه بعلم سوريا، ولكن فارس بيك لم يحرك ساكناً، بل بقي ينظر إلى ساعته. دقيقة، اثنتان، خمسة.

النكات التي قالها فارس الخوري، كانت مفيدة، لا لأنها أضحكتهم، بل لأن صاحب النكتة أراد أن يوصل رسالة إلى كل مندوبي العالم، أن في سوريا رجال عظماء وأذكياء.

استمر المندوب الفرنسي في محاولة إفهام فارس بيك بأن هذا المقعد هو مقعد المندوب الفرنسي، ولكن فارس بيك استمر بالتحديق إلى ساعته: عشر دقائق، أحد عشرة، اثنتا عشرة دقيقة وبدأ صبر المندوب الفرنسي بالنفاذ: هنا مقعد فرنسا الحرة، أنت لا تعرف أين تجلس، ولكن فارس بيك استمر بالتحديق بساعته، تسع عشرة دقيقة، عشرون، واحد وعشرون.

واهتاج المندوب الفرنسي، ولولا فصل سفراء الأمم الأخرى بينه وبين عنق فارس بيك لكان دكه، وعند الدقيقة الخامسة والعشرين، تنحنح فارس بيك، ووضع ساعته في جيب الجيليه، ووقف بابتسامة عريضة تعلو شفاهه، وقال للمندوب الفرنسي: سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة خمسة وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضباً وحنقاً، سوريا استحملت سفالة جنودكم خمس وعشرين سنة، وآن لها ان تستقل، وفي هذه الجلسة أعلن استقلال سوريا وانتهاء الانتداب الفرنسي”

ليس غريباً أن يتأثر موقف مجلس الأمن خلال مناقشته لقضية استقلال سوريا، بتلك النكات التي قالها فارس بك الخوري، لا لأن النكات أضحكتهم، بل لأن صاحب النكتة أراد أن يوصل رسالة إلى كل مندوبي العالم، أن في سوريا رجال عظماء وأذكياء وسريعي البديهة، وأنهم قادرون على حكم نفسهم بنفسهم، وليسوا بحاجة إلى وصاية أحد، أو مساعدة من أحد، لكي يأخذوا البلد إلى مصافي التقدم والتطور.

صورة للمادة المنشورة في صحيفة الأيام
مصدر حبيب كحالة صحيفة (الأيام) في السابع من نيسان عام 1955
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.