النكتة السياسية.. هل هي محور في التغيير أم رغبة للنقد

هل النكتة السياسية تنطلق أفقياً إلى مالا نهاية، أم ستعود للدوران بحلقة جديدة بعد التغّيرات الاجتماعية والسياسية؟ وهل هي محور في التغيير أم رغبة للنقد؟

112
الأيام السورية؛ علي الأعرج

تأخذ النكتة في أي مجتمع دوراً مهماً في حياة الأفراد، وهي أحد أشكال النقد المستمر والخفي لمجموعة البناءات الثقافية، التي يوافق عليها البعض أو يعارضها، كنوع من إثارة الضحك، واستخدام اللمز الرمزي في نقد المجتمع. وكلما كانت السُلطة السياسية والاقتصادية والثقافية أكثر سيطرة وفي يد جهة محددة وعلى كافة مناحي الحياة، تصبح النكتة اجتماعياً، حاضرة بشكل أكبر، لما تحتويه في جوهرها من صياغة تفريغ لغضب مجتمعي.

النكتة كتعبير عن حالة الامتعاض البدائي

تنطلق النكتة كتعبير عن حالة الامتعاض البدائي التي يُصاب بها المجتمع نتيجة الظروف القاسية التي يخضع لها، وتكون في مراحلها التكوينية الأولى أشبه بانتقاءات لغوية حذرة، كي لا تتجاوز الخطوط والتابوهات المفروضة من قبل المجتمع على الوعي الإنساني وكي لا تخلق حالة صِدام مع القوة المسيطرة (سياسياً)، لكن لمجرد شعور الإنسان بنوع من الحرية المسموح بها ولو كان ضئيلاً، فإنها تنطلق لتكسير القيود المقدسّة.

فالنكتة السياسية لا تنشأ مباشرة، بل إنها تأخذ مبدأ جس النبض المجتمعي، وبالأخص عندما تكون داخل دائرة من الحكم السياسي الديكتاتوري. فتكون لحظة البداية هي النُكات التي ترتبط بالدوائر الأصغر، من أمثال النكتة المرتبطة بالأهل أو الأب أو الزواج أو النظافة أو المؤسسات التي يحكمها بعض المدراء، وكلما شعر المجتمع أن النكتة لا يوجد عليها تابو معين تتسع الرقعة إلى مالا نهاية، حتى تصل إلى جوهر العمق السياسي.

النكتة السياسية في سوريا

يمكننا هنا الحديث عن تاريخية النكتة السياسية ونشوئها الأول وتطورها، لكني لا أشعر كثيراً بالرغبة للدخول في بحث طويل عن هذا الأمر، وسأحاول الاكتفاء بتناول جزء صغير جداً من النكتة السياسية في سوريا على وجه التحديد. مع التنويه إلى أمر، أن مفهوم النكتة بشكلها العام، حتى السياسية، تتناول جانباً بذيئاً أثناء قولها، وسأحاول الابتعاد قدر الإمكان عن كتابتها.

تنطلق النكتة كتعبير عن حالة الامتعاض البدائي التي يُصاب بها المجتمع نتيجة الظروف القاسية التي يخضع لها.

كانت النكتة في سوريا حذرة بعض الشيء، ويتم تداولها في الخفاء، إلا ما تتناوله من شخصيات ومؤسسات ثانوية، لها تأثير في المجتمع ولكن ليست محورية، أي إمكانية تغييرها بأي وقت ضمن دائرة البنية السياسية، كالضباط والوزراء والمشايخ والشخصيات السياسية في دول أخرى بشرط أن تكون تلك الشخصيات على خلاف ضمني أو علني مع السلطة الحاكمة في بلد ما.

كل شيء مسموح بشرط ألا يمس شخص الأسد أو عائلته

إحدى أشكال النُكات التي كانت منتشرة في سوريا حول (مفتي سوريا)، أحمد كفتارو سابقاً، ومن بعده أحمد حسون. إن تناول هاتين الشخصيتين بإنشاء نُكات حولهما كان بمثابة نقد غير مباشر لمفهوم السلطة الدينية، والتي كان الجميع يدرك أنها ليست سوى شكل آخر من السيطرة السياسية لشخص الرئيس، حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد. لكن كان من المستحيل بنظام حكم في سوريا أن يتم خلق دعابات مباشرة على حافظ الأسد بمعناها العلني إلا ما تريده القوة السياسية نفسها، لتقديم صورة الرئيس كقوة غير مباشرة. إن إحدى الدعابات القديمة التي أذكرها كانت تقول بأن رجلاً كان يقرأ على قبر أحد الاموات:

(يا أخي.. لقنتك تلقينك.. وأنت مُت على دينك.. وإذا طال حكم حافظ الأسد.. فكلنا لاحقينك!.)

برغم ما تحمله تلك النكتة اللغوية من تقديم شخص الأسد كديكتاتور لكنها ضرورة سياسية بالنسبة لسلطة الحكم من أجل إيصال حقيقة للناس بأن ذلك الرجل (الأسد) ليس فقط رئيس يحكم بلاد تحت اسم قانون، بل تتعداها لخلق صورة وحشية لنفسه.

كما كانت النُكات على بعض شخصيات النظام من أمثال عبد الرؤوف الكسم ومصطفى طلاس والخدّام، وشخصيات سياسية كياسر عرفات وصدام حسين ومعمر القذافي. لقد كانت تلك النُكات بمثابة إدارة عقول الناس لإيهامهم بقدرتهم على المشاركة السياسية الخفيّة ونقدها. وكان كل شيء مسموح بشرط ألا يمس شخص الأسد أو عائلته.

تلك الفترة من تاريخ سوريا كانت تحمل رعباً حقيقياً وحذراً في نشوء وتناقل النكتة. ومع موته وظهور بشار الأسد، أخذت النكتة تنتشر بشكل أسرع وأقوى بين الناس، ويعود ذلك ليس للديمقراطية الوهمية التي ظنّها البعض أن بشار قد فتح لها باباً بقدر ما كان التغيّر الاقتصادي للسلطة الحاكمة هو السبب.

تلك الفترة من تاريخ سوريا كانت تحمل رعباً حقيقياً وحذراً في نشوء وتناقل النكتة. ومع موته وظهور بشار الأسد، أخذت النكتة تنتشر بشكل أسرع وأقوى بين الناس.

كسر التابو في زمن الانفتاح الليبرالي

مع بداية حكم بشار الأسد أصبحت تجري متغيرات اقتصادية هائلة وأهمها هو توسيع رقعة المافيا السياسية وتركيزها على نشوء مؤسسات خاصة وكبيرة وانفتاحية ولم تعد مثلما كانت في زمن حافظ تقوم على أن كل شيء بشخص الرئيس ونظام الدولة التي كانت بيده. انتقلت من مرحلة السيطرة الاقتصادية الزراعية والصناعية المباشرة إلى سيطرات اقتصادية معلوماتية، والتركيز على ذلك الاقتصاد أكثر من الدور السياسي القديم. إنها عوالم الانفتاح الليبرالي. ذلك كان أحد اهم الأسباب التي جعلت النكتة تتسع وتنتشر دون القدرة على إيقافها، حتى أنها كسرت في بعض منها تابوهات القداسة الرئاسية، فأصبح شتم شخص بشار الأسد يُحاكم عليه القانون بثلاثة أشهر سجن إن كان خارجاً برد فعل انفعالي.

بالتأكيد إننا هنا لا نبرر وحشية هذا الأمر، لكن بالمقارنة السياسية بين حافظ وبشار، كان لظهور تلك القوانين نوعاً من إمكانية حرية جزئية بالنسبة للناس. ويجب شرح أمر أن تلك القوانين كانت ضرورة لمتغيرات الاقتصاد، فنشوء الأنظمة الخاصة الاقتصادية وانهار الدولة بمفهومها الكلاسيكي يحتاج قوانيناً سياسية مغايرة بطبيعة الحال.

أخذت النكتة السياسية دوراً كبيراً بعد عام 2000، وهو مما ساهم بعد عشر سنوات فعلياً بقيام الثورة السورية ضد النظام السوري.

جوهر النكتة السياسية

إن هذا الاستعراض ليس مُحيطاً مفهوم النكتة السياسية بشكلها العام، وربما هو يُركز على الجانب السوري وتاريخيته نسبياً، لكن لا بد من تقديمه لشرح آلية تعاطي السلطات الديكتاتورية وتعاملها مع النكتة.

إن ذات الأمر الذي مورس في سوريا، كان يمارس في أي بلد آخر، ففي ليبيا مثلاً كان يمكن إنشاء دعابات على نفس السياق وكان يمكن السخرية على الأسد دون المساس بشخص القذافي.

إن جوهر النكتة السياسية واحد في كل مكان، وآلية التعاطي مع الواقع هي نفسها، دون المساس بالمحور الديكتاتوري. وعلى هذا تكون النكتة هي ليست سوى تفريغ الغضب الاجتماعي على مجموعة السلوكيات السلطوية وكسر التابوهات، لكن ما يهمنا فعلياً هنا هو النكتة في سوريا.

في ظل الصراعات تتغير آلية النكتة، فتصبح إنفلاشية وتمس الجميع على اختلاف انتماءاتهم، فلا تُركّز على الشخصيات أو المحاور الجوهرية.

ومن عمق هذا الأمر يخرج منطق مماثل ويتجسد بسؤال: (هل النكتة السياسية تنطلق أفقياً إلى مالا نهاية، أم ستعود للدوران بحلقة جديدة بعد التغّيرات الاجتماعية والسياسية!).

في ظل الصراعات تتغير آلية النكتة، فتصبح إنفلاشية وتمس الجميع على اختلاف انتماءاتهم، فلا تُركّز على الشخصيات أو المحاور الجوهرية، بل تمس كل عنصر يمارس الصراع إلى درجة لا يمكن معها تحديد هوية نقدية لها، فتتحول من حالة الاستقرار التي أساسها الرغبة بالنقد وتفريغ الغضب، إلى حالة بالصراع التي أساسها الشعور بالإحباط من كل شيء، وهو ما نستشعره حالياً في المحيط بنا، من محاولات إخراج الدعابة التي تمس الجميع (سياسياً ودينياً وثقافياً وأخلاقياً).

تبقى مسألة النكتة أنها ليست محوراً في التغيير بقدر ما هي رغبة للنقد.

لا وجود لأي شخص يعيش في مجتمع ما إلا ويخضع ذهنه إلى تجريد لغوي وثقافي دائم، يؤدي به إلى ابتكار أنواع من الدعابات اللغوية كحاجة ماسة لتفريغ الشحنة السلبية الناشئة من ضغوطات الحياة.

إقرأ المزيد:

الأمل ركيزة الأيديولوجيات المهترئة

غباء أخ الفتاة التي كانت تخرج الثالثة ليلاً.. الفهم الخاطئ لنظرية الأمن والأمان

العجز الجنسي اصطلاح يدلل على العبودية الاقتصادية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.