النعيم المجهول والوعي اليقيني

حول التفكير الإنساني فكرة اللايقين إلى يقين، وخلق المجهول كصورة مضادة للصورة التي يجب أن يكون عليها وهي الخوف من المجهول. إنها ثورة وعي حقيقية قد قام بها الإنسان، على خلاف ما أنتجته لاحقاً من واقع سيء.

112
الأيام السورية؛ علي الأعرج

دوّنت إحدى الكاتبات يوماً عبارة لطيفة تقول فيها: “حاضرنا هاوية، وغدنا جحيم موصول بها”.

قد تبدو العبارة طبيعية جداً مثل آلاف من العبارات الشبيهة، لكن هذه العبارة استوقفتني قليلاً، أحسست بأنّ هناك فكرة غير واعية وراء هذا التعبير البسيط.

الهاوية هي الحيّز المكاني ذو التشكيل العمودي، وتتم الحركة فيها من الأعلى إلى الأسفل. بمعنى إن كان حاضرنا هاوية فنحن نسقط نحو الأسفل، لا وجود لهاوية نسقط فيها نحو الأعلى، ورغم أن التعبير عن الهاوية دقيق، لكن عطف الجملة اللاحقة هي ما جعلتني أتوقف عندها.

الحاضر هاوية، لكن الغد هو الجحيم الموصول بها، بمعنى استمرار السقوط العمودي إلى قاع الهاوية يؤدي لوصولنا إلى الجحيم الذي هو قاع تلك الهاوية. لكن لحظة، وبعيداً عن الخطأ المفهوماتي حول طبقات النار، لأنّ الهاوية هي القاع النهائي؛ لماذا الجحيم يجب أن يكون دائماً في الأسفل؟. كيف يمكن للوعي الأدبي أن يتعامل مع الموروث الميثولوجي دون إعادة صياغته وإنشائه بطريقة مختلفة؟.

الحاضر هاوية، لكن الغد هو الجحيم الموصول بها، بمعنى استمرار السقوط العمودي إلى قاع الهاوية يؤدي لوصولنا إلى الجحيم الذي هو قاع تلك الهاوية.

طوال حياتي كان لديّ تصوّر عن الجحيم على أنه حالة متوازية مع الفردوس باتجاهين مختلفين، رغم أن هذا التصوّر يعارض الثقافة الميثولوجية بأسرها، من أنّ الأشرار والشياطين والزنادقة سيخلدون في قاع سفلي لا قرار له، بداية من الأديان الوثنية والآلهة المتعددة من أيام سومر مروراً بالإغريق حتى الأديان التوحيدية؛ جميعها تركّز مع الوعي الثقافي والفكري والأدبي المعاصر على امتداد هذه النزعة التصويرية للجحيم كعالم سفلي؛ حتى الدين الإسلامي يتعامل مع هذه الصورة بعين الامتداد العمودي كطبقات مرصوفة فوق بعضها بعضاً، تبدأ على التوالي من الطبقة الأولى حتى الطبقة السابعة بفرز أبواب بين كل طبقة وأخرى: “جهنم، لظى، الحطمة، السعير، السقر، الجحيم، الهاوية”، بحسب التصور الإسلامي.

ما هو السبب في توارث هذا المعنى للسلبية البشرية واللغوية في المصير الإنساني وهو العالم السفلي؟ وما هو السبب الذي يؤدي بالتصور البشري إلى اعتبار العالم العلوي هو عالم النعيم؟.

قد يبدو ببداهة أن السبب مرتبط بالشكل النظري للكائن الواعي، فهو – خلال مراحل التاريخ القديم وتطوره – كان قادراً على رؤية السماء دون قدرة على تلمّسها، وبالمقابل كان الإنسان قادراً على الحياة في الأرض وإحساسه بالمعاناة اليومية وصعوبة العيش والكفاح من أجل البقاء والاستمرار.

لكن هذه البديهية تحمل بعض السذاجة إذا ما قورنت بشيء أكثر عمقاً، فمن غير المنطقي أن الأمر يتم من خلال الرغبة الجمالية أو الإحساس بالمعاناة بقدر ما هي رغبة استكشافية ومحاولة معرفة المجهول الذي لا نعرف عنه شيئاً. جميع الأديان تعاملت مع السماء بتلك النظرة المجهولة، فمن الطبيعي أن تكون نعيماً لا نعلمه.

إننا في عصور أقدم لا نستطيع تأكيد هويتنا الوجودية إلا من خلال ممارسات الأرض، وأي فكرة علوية أو قدرة على الوصول إليها، تحدد شكل الراحة والتفرّد، لأنّ هناك تكمن إحدى إشكاليات الوعي ومعرفته، أنّ السماء المجهولة، بالنسبة لعامة الشعب، كتلمّس واقعي أضحت حقيقة، بالنسبة للأشخاص المتفردين كرسائل خاصة، لذا فجميع الأديان أو الرسل تتعامل مع الوعي القديم بصورة التفرّد والتحليق والصعود، لأنّ البشر العاديين الطموحين لمعرفة ذاك المجهول لا يمكنهم القيام بما يقوم به الفرد الاستثنائي، مثل جميع الأنبياء الذين كانوا على تماس مباشر أو غير مباشر مع فكرة الكائن الأعلى.

ما السبب في توارث هذا المعنى للسلبية البشرية واللغوية في المصير الإنساني وهو العالم السفلي؟ وما هو السبب الذي يؤدي بالتصور البشري إلى اعتبار العالم العلوي هو عالم النعيم؟.

بمعنى، شكّلت السماء المجهولة عنصر النعيم لأسباب قائمة على عدم المعرفة، وعلى النقيض كانت معرفة الواقع والانغماس به تشكّل صورة الجحيم الذاتي. حتى أنّ هذا الوعي امتد إلى الشكل المعاصر فلسفياً وأدبياً، فكل الفلسفات التنظيرية كعلوم مرتبطة بتحليل الوجود وبعيدة عن فلسفات الواقع، كانت تأخذ مشروعيتها من محاولة عمل مقاربة مع ذلك المجهول السماوي قبل تحقيق القفزات العلمية والفيزيائية المعاصرة، والتي أثّرت على تغيير النظرة الفلسفية اليوم. وحتى أدبياً، كانت جميع الكلاسيكيات تنظر للمسألة بعين التفوق السماوي ذاك رغم ارتباطها بالواقع وصراعاته، الإلياذة والفردوس المفقود والكوميديا الإلهية.. الخ. إنها محاولات لاكتشاف التخيّل إلى أقصى حدوده.

وهنا نستطيع فهم السبب الذي يجعل العقل المتوارث بتلك الثقافة التاريخية ينظر للمسألة من زاوية الجحيم السفلي، وأنّ الفردوس هو الأعلى رغم أن السماء لم تعد مجهولة كما كانت عليه قبل آلاف السنين، وهذا يحيلنا إلى فكرة: كيف تخلق فكرة المجهول الرغبة بالنعيم؟ على الرغم أنّ ضرورة المجهول هو خلق الصورة السلبية وليست الإيجابية، فالمجهول مخيف وغير يقيني.

لقد حول التفكير الإنساني فكرة اللايقين إلى يقين، وخلق المجهول كصورة مضادة للصورة التي يجب أن يكون عليها وهي الخوف من المجهول. إنها ثورة وعي حقيقية قد قام بها الإنسان، على خلاف ما أنتجته لاحقاً من واقع سيء.


إقرأ المزيد:

الاعتداء على الجمال.. انتهاك نسوي أم طبيعة غير عقلانية؟

النكتة السياسية.. هل هي محور في التغيير أم رغبة للنقد

اليقين ككارثة إنسانية.. التفكير التشكيكي هو الحل

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.