الموضة: أحمر وأبيض وأزرق

الكاتبة: إيمان القويفلي

تخضع الحكومات للموضة، مثل الناس، ومثل الناس أيضاً، من لا يلحق بها يُصنّف “مُتخلفاً”، “عديم الذوق”، على الرغم من أن بعض الحكومات لا يُلائمها ما يُلائم حكوماتٍ أخرى، وكما يحدث عندما يختار شخص الملابس الخطأ، فإنها تُبرز عيوبه، لا محاسنه. الموضة هذا الموسم هي ألوان العلم الفرنسي، رفعتها المدن والعواصم الغربية والشرقية، متّحدة في لحظة واحدة ضد الإرهاب، ومتضامنة مع مقتل مدنيين أبرياء. تلونت المباني الحكومية والتجارية والأثرية بألوان العلم الفرنسي، ووقف الناس في فعاليات رياضية وفنية دقيقة صمت حداداً على القتلى من شرق الدنيا إلى غربها. لا اعتراض من حيث المبدأ. أما من حيث التفاصيل، فتختلف، للغاية، رمزية العلم الفرنسي حسب السياق الذي يُرفع فيه، في السياقين، الغربي والعربي.
إلامَ يرمز العلم الفرنسي في هذه اللحظة؟ إلى التضامن مع الضحايا الفرنسيين الأبرياء، بالدرجة الأولى؟ يبدو العلم مُستوفياً هذه الرمزية، في سياقه السياسي الفرنسي، والغربي إجمالاً، عندما ترفعه حكوماتٌ لا تقتل مواطنيها، ويرفعه مواطنون لا يقتلون بعضهم، ويرتفع في سياق يمثل فيه مقتل 132 شخصاً “مذبحة تاريخية” لا يحتملها، ويظل المجتمع يعاني للتعافي منها سنواتٍ طويلة. لكن، ما معنى رفع العلم الفرنسي حداداً وتفجّعاً على 132 قتيلاً في السياق العربي الذي يُقتل فيه يومياً مثل هذا العدد من الأبرياء وبانضباطٍ ودأب ذي صلة بجهنّم، من دون أن يستحق هؤلاء القتلى رمزية في السياق نفسه وبالثقل نفسه، والإجماع المطلق، وبلا تردد؟ لماذا لم يستحقّ قبلها السوريون الذين يذبحهم نظام الأسد هذه الرمزية، الـمُتعالية على كل ما عداها، والتي لا تقبل الاستثناء ولا التأجيل ولا المساومة؟ ما معنى رفع العلم الفرنسي في السياق السياسي العربي الذي عندما لا يرتكب المذابح الجماعية، فإنه يدعمها صراحة، وعندما لا يدعم المذابح الجماعية، يجد طريقته للتعايش معها، وعندما لا يتعايش معها، يجد طريقة ليستثمرها. وفي كل الحالات، لا يشغل المواطن العربي، حياً أو ميتاً، في هذا السياق، إلا المكانة الأدنى والقيمة الأبخس. قطعاً، يفقد العَلَم في سياقه العربي ذاك المعنى الذي يؤديه في السياق الفرنسي والغربي، فهو المعنى الصحيح في السياق الـمُختلّ.
هل يرمز العلم الفرنسي، أيضاً، إلى التأكيد على التبرؤ من الإرهاب وذهنيته وممارساته؟ هذه

الرمزية مُشكلة إلى حدٍ معيّن في السياق الغربي، من حيث أن تدخلاتِ الغرب في الدول العربية، وخصوصاً العراق، أسهمت في إنتاج سياق العُنف والإرهاب، ومن حيث أن مصالحهُ وحساباتهِ الخاصة منعت التدخّل، ومدّت عمر إرهاب الدولة في سورية، لكن هذه الرمزية مُشكلة بدرجة أكبر بكثير في السياق العربي الذي لا يُقاسي من التنظيمات الإرهابية المارقة بقدر ما يُقاسي من إرهاب الدولة الشرعية المباشر. ما الذي يمكن أن يعنيه رفع العلم الفرنسي حداداً وتضامناً ضد الإرهاب على الأهرامات في مصر، بواسطة النظام السياسي نفسه الذي أحرق وقتل في ساعات قليلة أكثر من 800 من مواطنيه المتظاهرين في ميدان “رابعة العدوية”؟ أو أن تؤكد حكومة العراق، ذات الجيش المليشياوي، أنها في الخندق العالمي نفسه مع أوروبا ضد الإرهاب؟ فضلاً عن حشد عربي من السياسيين المتضامنين ضد الإرهاب الذين يتمتعون (من حيث الجوهر) بذهنية إرهابية وخطابٍ إرهابيّ. تضامن لا يستقيم في السياق العربي، إلا وفق أضيق تعريفات الإرهاب على الإطلاق، فقط بصفته عمليةً انتحاريةً، يقوم بها عنصر من داعش في تجمّع للمواطنين الأوروبيين، فيما يختلّ وفق باقي المستويات والتعريفات.
في السياق العربي، تتحوّر رمزية العلم الفرنسي من أجل أن تكتسب معانيَ أخرى، يصير العلم الذي ارتفع من أجل المواطن الفرنسي رمزاً لامتهان المواطن العربي في سياقهِ العربي، قبل أي سياقٍ آخر. ويصير العلم الذي ارتفع رمزاً لرفض إرهاب داعش في أوروبا رمزاً لاحتضان السياق العربي مختلف أنواع الإرهاب الأخرى، ويصير العلم الذي يرمز إلى مُمَثلية الدولة الأوروبية مواطنيها وآلامهم ومصالحهم، رمزاً لانفصال الدولة العربية عن مواطنيها وآلامهم ومصالحهم، بل رمزاً لانفصال مواطنيها عن ذواتهم. قد لا يكون الامتثال العربي للموضة السياسية إلا المقدّمة السطحية لما ستأتي به الأيام الـمُقبلة من انتهازيةٍ عربيةٍ عميقةٍ لموسم الحرب المقدسة على الإرهاب، حيث سيُعاد تأهيل شخصيات وأنظمة وسرديات ومفاهيم كثيرة مهترئة، على الرغم من هذا، من الضروري تقديم رؤية نقدية للموضة، فسطحيتها وخفّتها قد تجعلها تبدو صادقةً بشكل ما، جميلةً بشكل ما. أما المؤسف، فهو أن جزءاً من هذا النقد، الذي قُدّم الكثير منه في الأيام الماضية، لم يكن أكثر من مخبأ لرابطة العُشّاق السريين لداعش الذين لا يستطيعون البوح بمكنوناتهم صراحة فيكتفون بمواعظ عن لا أخلاقية الدول الغربية والعربية، مواعظ تنبني على قواعد مُستعارة مؤقتاً. ولهذا لا تصل أبداً في نقدها إلى داعش، لا بوصفها “دولة”، ولا بوصفها “إرهاباً”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.