الموت يغيّب “صحافي المسافات الطويلة” رياض نجيب الريّس، فمن هو؟

كان الريس من أبرز الناشرين والصحافيين العرب، فقد أسّس الريّس دار النشر التي تحمل اسمه عام 1987، واختار لها لندن مقراً بعيداً عن أعمدة الدخان في لبنان زمن الحرب الأهلية وعن جميع العواصم العربية الأخرى التي كان من المتوقّع أن تضيق بما ينوي إصداره من كتب جريئة.

الأيام السورية؛ محمد محسن

غيّب الموت الناشر والصحافي السوري رياض نجيب الريس، السبت 26أيلول/ سبتمبر 2020، في بيروت، عن عمر ناهز 83 عاما.

الولادة والنشأة

ولد الريس في دمشق، من أب سوري حموي وأم طرابلسية، ويقول عن ولادته: “ولدت في دمشق يوم الثلاثاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 1937، في بيتنا المستأجر في حي بستان الرئيس، حيث كانت حديقتنا جميلة، مصممة على الطريقة الإنجليزية، التي بهرت والدي بعد زيارته لإنجلترا عام 1947، أسماني أبي رياض تيمنا بأول رئيس وزراء لبناني بعد الاستقلال رياض الصلح الذي كان مقربا منه”.

جاء والده من مدينة حماة السورية ليستقر في العاصمة دمشق عام 1918، واستقر فيها وعمل في الصحافة السورية واللبنانية، ووصل إلى البرلمان السوري كنائب عن دمشق في انتخابات 1943، بينما وصل رياض الريس إلى مدرسة برمانا الداخلية في خريف 1948، وكان له من العمر 10 سنوات، وهي مدرسة داخلية كان الوجهاء السوريون يرسلون أبناءهم للتعلم بها.

غادر رياض الريس إلى إنجلترا في صيف 1956 ليتابع تحصيله العلمي، حيث درس في جامعة كامبريدج، وتعرف إلى كثير من رجال الثقافة والسياسة، ومنهم: المفكر العراقي خير الدين حسيب، والشاعر الفلسطيني توفيق صايغ، ومواطنه المؤرخ الفلسطيني أنيس صايغ، والشاعر خليل حاوي، والأمير رعد بن زيد، وقيس السامرائي، وآخرون.

الصحافي المتقاعد

في السنوات الأخيرة نفسه ب”صحافي متقاعد”، وهو ليس متقاعدا، وإن أقعده ظرف صحي، ويقول الريس عن تجربته في الصحافة: “قادني شغفي المعروف بالعمل الصحافي إلى حيث تربيت في بيت صحافي وسياسي بحكم أن والدي نجيب الريس كان صاحب جريدة القبس الدمشقية”، وبحكم صداقة والده مع أقطاب الصحافة اللبنانية آنذاك؛ جبران تويني (مؤسس صحيفتي الأحرار والنهار)، وسعيد فريحة مؤسس دار الصياد، في هذا الجو الصحافي، اشتد التنافس على رياض الريس بين غسان تويني وكامل مروة، مؤسس الحياة، وسعيد فريحة، من أجل أن يعمل معهما.

يؤكد الريس ذلك في كتابه “آخر الخوارج”، ويقول “عندما عدت إلى لبنان بعد دراستي في بريطانيا في صيف 1961، بادرني سعيد فريحة بالقول: اذهب إلى أول مكتب على اليمين تجد طاولة وكرسيا، وابدأ الشغل فورا”.

مجتمع الصحافة

يتابع “هكذا بدأت حياتي المهنية كصحافي محترف براتب قدره 300 ليرة لبنانية، وعملت محررا للشؤون العربية في الصياد، وليلا محررا للشؤون الدولية في جريدة الأنوار. في دار الصياد كان هناك لفيف من أبرز صحافيي تلك الفترة؛ هشام أبو ظهر، وسليم نصار، وأنطوان متري، وعصام فريحة، كذلك حنا غصن الصحافي المخضرم والكاتب الأول في السياسة اللبنانية، وأيضا إبراهيم سلامة، وغسان كنفاني، لينتقل بعدها رياض الريس إلى جريدة المحرر”.

وفي دار الصيادـ نشأت بين رياض الريس والصحافي الفلسطيني/اللبناني نبيل خوري صداقة عميقة وزمالة مشتركة بدأها في الصياد واستمرت إلى المستقبل مع نخبة من الصحافيين العرب؛ أمثال أحمد بهاء الدين، وناصر الدين النشاشيبي، وسمير عطا الله، حتى غياب نبيل خوري في بيروت، وقد كانت للشاعر يوسف الخال مكانة خاصة لدى الريس، حيث ربطتهما علاقة ودية من أيام مجلة شعر، وأصدر الريس عام 1962 مجموعته الشعرية الأولى، صدرها بمقدمة لصديقه جبرا إبراهيم جبرا، حسب ما أورده الريس في كتابه “الصحافة ليست مهنتي”.

وعمل الريس كذلك في صحف أجنبية، مثل جريدة “ويسترن ميل” (Western Mail)، و”ديلي ميرور” (Daily mirror)، و”صنداي تايمز” (The Sunday Times).

انتقل الريس بعد ذلك للعمل مع كامل مروة مؤسس صحيفة الحياة، الذي يقول عنه الريس: عملت مع كامل مروة قرابة سنتين، وكان له فضل في تكوين شخصيتي الصحافية… علمني كامل مروة معنى حرية الرأي.

رياض الريس يوقع أحد كتبه (الناس نيوز)

أنجلو سكسوني وسط فرنكفوريين

في صحيفة النهار كان رياض الريس الأنكلوسكسوني الوحيد في مجتمع فرانكفوني، وغير اللبناني الوحيد فيها أيضا، ويصف الريس تجربته في النهار بين 1966و1976 بأنها كانت العصر الذهبي للصحافة العربية لا اللبنانية فقط، حيث كان في النهار إلى جانب غسان تويني، قطبان يمثلان جناحي الجريدة: الأول مدير التحرير والرجل الحديدي فرنسوا عقل، والثاني ميشال أبو جودة كاتب العمود السياسي اليومي والمعلق الأشهر في الصحافة اللبنانية، إلى جانب أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وغيرهم.

وبعد خروجه من النهار، أسس الريس جريدة المنار في لندن، واستكتب كتابا كبارا قبل أن تتوقف الجريدة عن الصدور، وكما يقول الريس “لم يفِ أي من الذين وعدوا بالتمويل بتعهداتهم. وهكذا انكسر الدف وتفرق العشاق، وماتت المنار بعد العدد 36”.

وعاد إلى بيروت ليصدر مجلة الناقد، التي توقفت هي الأخرى، وعمل على مجلة النقاد في بداية الألفية للتوقف بعد 3 سنوات، وكان رياض الريس قد فتح مكتبة الكشكول في شارع نايتسبريدج (knightsbridge) التجاري (غربي لندن) حيث كل البيوت التجارية المهمة والكثافة العربية، سعيا لتسويق الكتاب العربي من صنعاء إلى الرياض إلى بغداد، ناهيك عن المغرب العربي.

الصحافي الرحّالة

كان رياض الريس أول صحافي عربي يزور فيتنام في مايو/أيار 1966، كما وصل إلى مدينة سمرقند، مدينة تيمورلنك التاريخية، ومنها إلى بخارى، وكانت غرناطة من المدن التي لها وقع خاص لدى رياض الريس، حيث تجول في قصورها الحمراء مستعيدا مشهدا حضاريا وثقافيا وفنيا لا يتكرر، حسب ما ذكره في كتابه “الجانب الآخر للتاريخ”.

وهكذا كان صاحب “صحافي ومدينتان” يتجول منقبا في الذاكرة البعيدة، كما كان الريس الصحافي العربي الوحيد الذي تمكن من الوصول إلى براغ بعد الاجتياح السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا في أغسطس/آب 1968، مثلما تمكن من التسلل إلى أثينا بعد يوم واحد من الانقلاب الذي نفذه الجنرالات في نيسان/أبريل 1967 ضد رئيس وزرائها السابق أندرياس باباندريو.

أغلفة كتب الراحل رياض نجيب الريس (المدن)

دار نشر هي الأبرز

كان الريس من أبرز الناشرين والصحافيين العرب، فقد أسّس الريّس دار النشر التي تحمل اسمه عام 1987، واختار لها لندن مقراً بعيداً عن أعمدة الدخان في لبنان زمن الحرب الأهلية وعن جميع العواصم العربية الأخرى التي كان من المتوقّع أن تضيق بما ينوي إصداره من كتب جريئة لا تتورّع في تسمية الأشياء المتمردة بأسمائها، ويمكن القول بأن الريّس كان ناشراً ذا أسلوب خاص، وكثيرة هي شهادات المؤلفين الذين أصدروا أعمالهم معه عن مقترحاته ونقاشاته حول الأفكار وزوايا المقاربة وطرق الكتابة وغيرها من الأمور التي جعلت لمنشورا ت رياض الريّس نكهة خاصة من الإثارة والعمق.

مؤلفات متنوعة

صدر له أكثر من 36 كتابا في الشعر والسياسة، بينها: موت الآخرين (شعر) 1962، الفترة الحرجة. دراسات نقدية 1965، جواسيس بين العرب 1987، رياح السموم 1991، مصاحف وسيوف 2000، لبنان تاريخ مسكوت عنه 2001، الصحافة ليست مهنتي 2001، وكتابه الأخير صحافي المسافات الطويلة 2017.

الصحفي والناشر رياض نجيب الريس(مواقع التواصل)
مصدر كتاب آخر الخوارج لرياض نجيب الريس المدن، العربي الجديد الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.