المواطن والجندي.. غباء مفهوم التضحية بالنفس بين الوطن والسلطة

أليس من الغريب أن يتفق المناهضون والسلطات على نفس التعريف الذي يضطهد أحدهما دون الآخر؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

واحدة من أكثر الأشياء الغريبة في جزء من هذا العالم، وبالأخص الشرق الأوسط، لدى مناهضي الأنظمة الشمولية والديكتاتورية والقمعيّة في العالم، هو اتفاق مناهضي تلك الأنظمة مع الأنظمة التي تضطهد المناهضين حول تعريف الوطن؛ على الرغم أن تعريف الوطن لدى تلك الأنظمة القمعية، هو الشمّاعة التي يعلق عليها الديكتاتوريون كل إمكانيات قمع المواطنين الذين يطالبون بحرية الحياة والمساواة والعدالة، وفي نفس الوقت يتفق المواطنون على التعريف ذاته الذي تمارسه الأنظمة الديكتاتورية.

أليس من الغريب أن يتفق المناهضون والسلطات على نفس التعريف الذي يضطهد أحدهما دون الآخر؟

المشكلة الأساسية في تعريف الوطن لدى دول الشرق الأوسط، وبعض دول أمريكا اللاتينية وبعض دول أفريقيا لليوم، أنهم مازالوا يعيشون مفهوم الوطن بحسب السلطات القمعية التي تفترض الوطن هو الحالة الأعلى التي يجب على كل إنسان أن يُضحي بنفسه من أجل بقائه.

في زمن عبد الناصر والانقلابات السياسية، والمفاهيم القومية والعلمانية، ومفاهيم الحركات الدينية السياسية، جميعهم كانوا يرسخون النظرة عن الوطن بأنّ أيّ فرد مهمته أن يكون جنديا في هذا الوطن، وأن يضحي بنفسه من أجل إعلاء كلمة الوطن، وأن يموت في سبيله.

لكن لحظة أعزائي، أيتها السلطات الحمقاء ذوات الرائحة النتنة، الوطن ببساطة بالنسبة لنا نحن الأفراد، هو المكان الذي يحقق لنا عدالة الحياة فقط، وليس أن نقوم بالدفاع عنه ضمن المؤسسات التي من المفترض أن يكون اسمها مؤسسات ومهمتها الدفاع عن الحيز الجغرافي الذي يحقق لنا نحن الأفراد تلك العدالة.

بمعنى أبسط تلك المؤسسات، كالمؤسسة العسكرية والأمنية، هي التي يجب أن يذهب أفرادها للموت في سبيل الدفاع عن الوطن وليس نحن؛ ذلك الفرد اختار بحرية أن يكون جزءًا من تلك المؤسسة وبالتالي يجب عليه القبول طوعاً أن يموت في أي لحظة دفاعاً عما ينظر إليه أنه مهمته الوحيدة.

أما الأفراد الآخرون فمهمتهم الحياة بعدالة والعمل في فروع أخرى لإنشاء منظومة التطور الاجتماعي، لكن هذا يعني أن هؤلاء الأفراد ليست مهمتهم أبداً أن يكونوا جزءًا من تلك الصورة التي تدافع عن الوطن.

في زمن عبد الناصر والانقلابات السياسية في الوطن العربي، والمفاهيم القومية والعلمانية وحتى مفاهيم الحركات الدينية السياسية، جميعهم كانوا يرسخون تلك النظرة عن الوطن بأنّ أيّ فرد مهمته أن يكون جنديا في هذا الوطن، وأن يضحي بنفسه من أجل إعلاء كلمة الوطن، وأن يموت في سبيله.

لا، أعزائي السلطات الفاسدة، ليست مهمة أي فرد أن يكون جنديا، لديكم مؤسسات يمكن لأي شخص أن يتطوع بها ويأخذ راتبا ليكون جنديا، لكن ليست مهمتنا أبداً أن نكون جنوداً.

الوطن أولوية لكن ليس أن نكون جنوداً به، إنما أن يكون هناك جنود حقيقيون داخل مؤسسات فقط يدافعون عنه ليعيش الآخرون بعدالة.

فكرة تحويل أيّ شخص إلى جندي، حتى وإن كانت تعبيرا معنويا، هي ترسيخ لنظرية الطاعة العمياء، نفّذ ثم اعترض، بمعنى آخر، أن يكون كل فرد قابلاً لنظرية السلطة العليا دون نقاش من أجل مصلحة كيان وهمي يتم تعريفه على أنه وطن، وأنّ هناك كائنات فضائية وأعداء سيسحقون ذلك التعريف الوهمي، لإبقاء البشر في حيز من التفكير الضحل والغباء المستديم؛ أنّ الوطن هو الأولوية.

الوطن أولوية لكن ليس أن نكون جنوداً به، إنما أن يكون هناك جنود حقيقيون داخل مؤسسات فقط يدافعون عنه ليعيش الآخرون بعدالة.

المشكلة لليوم أن السلطات جميعها ترسّخ هذه النظرية بأن كل فرد هو جندي، والمشكلة الأكبر أن مناهضي السلطات أولئك الذين يسعون لإنشاء منظومة جديدة للحياة والعدالة ما زالوا يمتلكون التعريف نفسه عن الوطن، بأن الأفراد هم جنود يجب أن يدافعوا عن الوطن متى ما احتاج لذلك!

عزيزي المواطن في كل هذا العالم، ليست مهمتك أبداً عن تدافع عن الوطن لأنك لست جنديا فيه، أنت مواطن فيه، يجب على المؤسسات التي تعيش من وراء الضرائب المأخوذة منك، وأن تدافع عنك، لا أن تدافع أنت عنها.

كم هو غريب أن يقوم بعض المناهضين بتعريف الوطن بذلك الشكل ويطالبون بنفس الوقت أن يُسقِطوا النظام الحالي ويسعون لنظام مغاير لكنه يمتلك نفس التعريفات المُرسّخة في عقول البشر، التي هي بالأساس تعريفات للاضطهاد والقمع غير المباشر والإذلال.

لن يكون هناك أنماط من العدالة والحرية وأنظمة جديدة إن لم تتغير المفاهيم البسيطة في عقل أبسط كائن في هذه المجتمعات.

عزيزي المواطن في كل هذا العالم، ليست مهمتك أبداً عن تدافع عن الوطن لأنك لست جنديا فيه، أنت مواطن فيه، يجب على المؤسسات التي تعيش من وراء الضرائب المأخوذة منك، وأن تدافع عنك، لا أن تدافع أنت عنها.

وما قيل يُسمى منطقا إنسانيا وليس عدم ولاء، كما سيتم بالتأكيد وصم فكرة المادة من قِبل الذين يشعرون بولاء للسلطات العليا في هذا العالم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.