المهاهاة أرجوزة المرأة الأولى في بلاد الشام

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (12)

383
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.

وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.
ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية.

وبهذا الجزء، والذي حمل الرقم 12، اختتام هذه السلسلة.

المهاهاة

المهاهاة، اصطلاحًا، نوع غنائيّ تراثيّ شائع في بلاد الشام، تختصّ به النساء دون الرجال، وهو غناء للفرح، يؤدّى، عادة، أداءً فرديًّا بإطلاق الصوت عاليًا وسط صمت الحضور. تتكوّن المهاهاة الواحدة من أربعة أبيات/ أربع جمل، في الغالب، يبتدئ كلّ بيت بمفردة ‘آويها’، أو بمفردة رديفة لها أو محوّرة عنها (نحو: ‘أ هي’، ‘ها يي’، ‘هي يي’، ‘أ يي’)، تبعًا للقُطر والمنطقة، بل أحيانًا، تبعًا للبلدة. وفيها الجملة (البيت) قصيرة ومحكمة البناء، تنتهي بقافية.

مناسباتها

تُغنّى المهاهاة في الأفراح، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالزواج، في كلّ واحد من مراسمه التقليديّة؛ كالجاهة، وساعة ‘قطع الحكي’ أو قراءة الفاتحة، والخطبة، وليالي التعاليل، وسهرة العروس، وليلة الحنّاء، وفي العرس، وذلك في البيت الخاصّ وفي ساحته أو في طرقات وبيادر البلدة تاريخيًّا، وفي قلّة من الحالات، في قاعات الأفراح، مذ تحوّل الناس لإقامة أفراحهم فيها.

فضلًا عن العروس والعريس، تخصّ النساء رجالهّن بالمهاهاة؛ الأب والأخ والزوج والابن والعمّ والخال وكبار العائلة، في انعكاس للأبويّة والذكوريّة، واحدة من أبرز سمات النظام الاجتماعيّ، فيها يُعَبّرن عن المباهاة بهم، وعن فرحهنّ وقلقهنّ والفوز بالفَرَج وغيرها من المشاعر. والمهاهاة تُؤَدّى إمّا ارتجالًا، بمعنى أن تبتكر المرأة القول على نحو خلّاق، وإمّا نقلًا، حيث تهاهي ما جرت العادة أن يقال في المناسبة التي هي فيها أو في مثيلتها.

تقولها النساء ارتجالا دون مصاحبة الموسيقا، وتقال في مناسبات الأفراح غالبا والمواقف الحماسية عامة.

تقول المرأة المهاهاة وهي واقفة غالبا وقد تقولها وهي ماشية مقبلة على بيت العروس أو العريس وفي مسيرها ماشية أثناء زفاف العرسان أو جنازات الشهداء، وقد تهاهي بعض النساء المسنات أحيانا وهن قاعدات أثناء حنة العروس أو حمامها أو صمدتها وقد تهاهي منكوبة تندب عزيزا فقدته.

ويتم ترديدها بصوت مرتفع وأسلوب حماسي متدفق مع ترك فاصل زمني قصير بين البيت السابق والبيت اللاحق لترتاح المهاهية وتلتقط أنفاسها وليستوعب السامع ما قيل وليصل الصوت إلى أبعد مدى، إذ تضع المهاهية كفها اليمنى أو اليسرى مقوسة قليلا حول فمها وتقول اللفظة التنبيهية «أيها» أو ما يماثلها «أوها» تتبعها ببيت من المهاهاة.

وما تكاد المهاهية تنهي البيت الأخير حتى تسارع مجموعة من النساء حولها بوضع أكفهن مقوسة حول أفواههن رافعات أصواتهن بالملالاة «ل ل ل لي» وكثيرا ما تتناوب على المهاهاة امرأتان أو ثلاث أحيانا.

من نماذج من المهاهاة:

أيها .. طولك طول السرو
أيها .. والخصر مايل ميل 
أيها.. والخصر من رقتو
أيها.. هد القوى والحيل

وهذا المثال يقال للعروس:

أويها.. أهلا وسهلا يلي جاية لعنا
أويها.. أنت أصيلة وبيدك زهرة الحنا
أويها .. وسألت رب السما العريس يتهنا
أويها.. تعيشي بسعادة وتمضي العمر عنا

وكذلك فان المغنية تقوم بأداء هذه المقدمة كي تنبه الحضور إلى أنها سوف تغني، وهنا يصغي الجميع للتعرف على صاحب الأغنية، ثم تختمها بالزغرودة وهي لفظ “لولولوليش” التي تحتاج لخبرة وبراعة خاصة ليعلو الصوت حتى يصل أبعد نقطة.

آي هـــــا وافتحوا بــاب الـــــدار

آي هـــــا وخلـــوا المهنــي يهنــي

آي هـــــا وأنا اليـــوم فرحانــــه

آي هـــــا والحمد للـــه يا ربــــي..

مع الزغرودة

وتؤدي النساء “المهاهاة” وهي عادة تسبق الزغرودة أو بعد الانتهاء منها، وتؤديها مجموعة من النساء، و”تهاهي” امرأة واحدة وترد عليها بقية النساء المتواجدات حولها، وصوت الزغرودة أقوى من صوت الأغنية العادية، وتصل أصوات الزغاريد إلى أمكنة بعيدة عن مكان الفرح ويطلق على الزغرودة، اسم “الزلغوطة”، وتستطيع أي امرأة القيام بالزغردة، وهناك أيضاً مزغردات خاصات يعرفن بالاسم في كل قرية ومنطقة، ويتميزن بأمور خاصة، منها قوة الصوت وجماله وارتفاعه، وتبدأ المرأة بالزغردة فتضع يدها فوق فمها وأنفها، وتقوم بالزغرودة.

تضم الأعراس أكثر الزغاريد، وتقسم إلى عدة أقسام أهمها: زغاريد العريس وقت الحلاقة، وزغاريد للعروس وزغاريد استقبال الضيوف، وزغاريد الدبّيكة، وزغاريد العروس وقت الدخلة ووصف العروس، وهنا تقول النسوة:

“فايتـة مـن دار طالعـة مـن دار
بإيدها محمصة بحجة بتشـحد نـار

إن المهاهاة تبقى أرجوزة المرأة الأولى في بلاد الشام لسرعة إيقاعها وسهولة قولها وشدة تأثيرها وتبقى الفن الأدبي الأعرق أصالة وقدرة على التجديد، وهذا ما يفسر تشابه كثير من نصوص المهاهاة في مختلف أنحاء دول المنطقة، فهناك نصوص كثيرة متماثلة حرفيا تقريبا نجدها تتردد في المحافظات السورية من الساحل إلى الداخل كما تتردد في أنحاء فلسطين ولبنان والأردن.

مصدر محمود مفلح، أرجوزة المرأة في بلاد الشام، الهيئة السورية للكتاب عبد الفتاح قلعجي، دراسات ونصوص في الشعر الشعبي الغنائي، الهيئة السورية للكتاب
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.