المنطقةُ الآمنة في سورية بين مشروعية المطلب، وتباين الرؤية

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

لطالما أبدت تركيا رغبتها في إقامة منطقة آمنة في الشمال السوريّ، بعرض 110كم، على امتداد حدودها من جرابلس “غرب الفرات” وصولًا إلى إعزاز، وبعمق 65كم، لتشمل منطقة الباب، وهي المنطقة التي دخلتها تركيا في عملية درع الفرات، بعد طرد داعش منها، في أيلول/ 2016.

وقد دار نقاش عريض حول مشروعية المطلب التركي في المضي قُدمًا في رغبتها، أسوةً بما كان في شمال العراق سنة 1991، فهل يعطي القانون الدولي تركيا الحقّ في التطلّع نحو إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا، من دون موافقة النظام، ودعم المجتمع الدولي، بغية إعادة آلاف اللاجئين السوريين إلى سوريا، عبر إنشاء منطقة آمنة توفر لهم الحماية والعمل والبقاء؟

فمن الذي يضمن لتركيا في المستقبل أنها لن تتحوّل في نظر كثيرين إلى دولةٍ تفرض نفسها بالقوة، وتتدخل في الشؤون الداخلية لدولةٍ جارةٍ، بينما كانت تردّد دائمًا أنّ غرضها الأساس هو إبعاد التنظيمات الإرهابية عن حدودها، والدفاع عن وحدة سوريا واستقرارها؟

الأمرُ الذي جعل الرغبة التركيّة تراوح في مكانها؛ على الرغم من تهيئة الظروف العملياتيّة، والإنسانيّة لها، وذلك بسبب إعراض حكومة أوباما عن مناقشتها، وتعنت روسيا في أخذ موافقة النظام للمضي بها، وجعل أبواب مجلس الأمن مغلقة في وجهها.

هل يعطي القانون الدولي تركيا الحقّ في التطلّع نحو إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا، من دون موافقة النظام، ودعم المجتمع الدولي؟

وأخيرًا وجدت تلك الفكرة طريقها للولادة على ما يرى عدد من المراقبين، بعد أن نالت الموافقة الأمريكية، حيث أعلن الرئيس ترامب في تغريدة له في: 14/ 1/ 2019، عن نية الولايات المتحدة إقامة منطقة آمنة 20 ميلا “32 كم”، و لكن في منطقة أخرى غير ما كانت تنويها تركيا، حيث ستكون في منطقة شرق الفرات، وصولًا إلى الحدود العراقية التركية ـ السورية، بغية إيجاد منطقة حماية للميليشيات الكرديّة التي تحتمي بأمريكا، وتنوي تركيا التخلص من وجودهم في تلك المنطقة؛ بدعوى تصنيفهم إرهابيًا، كونهم يشكلون امتدادًا تنظيميًا لحزب العمال الكردستاني، وهو الأمر الذي يباين تمامًا التطلّعات التركيّة.

وكان لهذه التغريدة تداعيات ومتابعات إقليميّة ودوليّة، ذات انعكاسات سياسيّة وعسكريّة واجتماعيّة على الملف السوري.

لقد ناقش القانون الدولي العام قضايا، مثل خطط المناطق العازلة أو الفاصلة بين المتحاربين أو الحظر الجوي، وإعلانه لمنع استهداف المدنيين في مناطق معينة وممرات إنسانيّة آمنة، لتوفير انتقال المدنيين أو إيصال المساعدات إليهم، لكنّه وللمرة الأولى يتعرّف على مصطلح “المنطقة الآمنة” الذي روّجت له تركيا على طريقتها، ومنذ أكثر من أربعة أعوام، وأعاد الحديث إليها ثانية الرئيس ترامب في تغريدته تلك.

لقد أشاعت المكالمة التليفونية بين الرئيسين أردوغان وترامب، مساء الإثنين: 14/ 1/ 2019، أجواء إيجابية بشأن فكرة “المنطقة الآمنة”، على الرغم من تباين الرؤيتين التركيّة والأمريكيّة حولها، وهو الأمر الذي قد يجعلها قريبة الولادة، في حال لم يقم ترامب بنسفها بتغريدة أخرى، قبيل خلوده إلى النوم في أية ليلة قادمة.

ويبقى السؤال: ما المدى الذي ستستفيد منه مكونات الشعب السوري عامة، من هذه الخطوة في حال قيامها؟

وذلك أنّ السير في خطة مؤسسة راند، وتفاهمات سوتشي بخصوص إدلب قد تخطاها، وجعل منها فكرة باهتة، ولم تأتِ سوى كمخرج من حالة الاستعصاء في العلاقات التركيّةـ الأمريكيّة، عقب الاستعداد التركي لطرد تلك الميليشيات الانفصالية، بقوة عسكريّة يتجاوز قوامها الثمانين ألف مقاتل بالاشتراك مع قوات الجيش الوطني السوري، وهو ما تعارضه أمريكا بشدة، وتهدّد بانهيار الاقتصادي التركي في حال أصرّت تركيا على المضيّ فيه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.