الملحمة بين مأساة وملهاة

بقلم :د: سماح هدايا

أين النموذج البطولي النبيل الذي قدمته القيادات العربية لشعوبها؟ وأين هي الشعوب التي تحمل قادتها بكبرياء؟
سوريو الربيع العربي  يكتبون بدمائهم وبطولاتهم  ملحمة التحرّر الوطني، لكن لا قادة ولا قيادات جامعة،  ترشدهم وتوجهّهم.

كان في التفاف عشرات الملايين من الشّعب التركي،  بعد المحاولة الانقلابيّة حول القيادة الرئيس التركي، والانتصار المذهل للحكومة التّركية عبر التحامها بالشعب في التصدي  للمؤامرة ضد الدولة، وفي تحقيق معادلة  الشعب والقيادة في صف واحد لدرء الخطر وحماية الدولة، دلالة  كبيرة،  يجب الاسترشاد بها، بغض النظر عن مواقف التأييد أو الرفض لمشروع أردوغان السياسي والحزبي والفكري، وبمعزل عن رأينا بصوابيّة أو  خطأ منظور حزب العدالة والتنمية  ومساعيه السياسية والاقتصادية والفكرية، وبعيدا عن مصطلحات الديمقراطية والعلمانية والإسلام السياسي، فإنّ التعاطي مع انتصار شرعية الدولة الديمقراطيّة، بوقوف عشرات الملايين  في تركيا وعشرات الملايين خارجها، مع الرئيس التركي هو دليل  رغبة شعبيّة بقيادات قويّة قادرة على مخاطبة ضمائر الشعوب وآمالها،  وحماية مشروع الدولة والتّصدي للتّقسيم ونزاعات الحرب الأهليّة.

ما يجب استخلاصه كسوريين، ضمن خضم حروب الثّورات المضادّة  للربيع  العربي،  من فشل محاولة الانقلاب على حكومة الجمهورية التركية الشرعية، هو أهمية القيادة ودورها في تنظيم  الشعب وإدارة الجماهير.  فصلابة موقف القيادة الوطنيّة التركيّة وشجاعتها وقدرة شخصيّة الرئيس على استشفاف الضمير الجمعي لأطياف واسعة من الشعب والتناغم معه، كان وراء  جمع الناس وتوحيدها  للدفاع عن مشروع الدولة الديمقراطيّة، على عكس ما حصل في انقلاب السيسي على حكومة الرئيس مرسي المنتخبة شعبيا؛ رغم وجود أطياف  واسعة من الشعب المصري  متسلحة بمرجعيّة مبدأيّة ووجدانية  ووطنيّة خرجت للساحات ضد الانقلاب وضد الانقلاب العسكري. فقد كان لغياب  التّلاحم الجماهيري ، والوعي الجمعي المنظّم الموحّد على المبادىء المشتركة الوطنية والديمقراطية خلف قيادة  جامعة وحاضن قوي، أثره في إسقاط الشرعيّة…

التاريخ لن يتسع لملاحم بطولات السوريين والعرب في معارك الربيع العربي ولقصص مآسيهم ونكباتهم وتضحياتهم..الشعب هو اللبنة والأساس؛  لكنّ القيادة هي الهيكل وعامود البناء،  فالجهود تضيع وتنهدر الدماء هباء، عندما تغيب القيادات الوطنيّة الناضجة،  فمن يتصدر موقع القيادة  غير فاعل شعبيا، والمنظومة القيمية والوطنيّة لإدارة القوة وطموحات الشعب والمخاطر ضعيفة؛  فلا تخطيط استراتيجي. ولا استشفاف مرحلي أو مستقبلي، والنزاهة الوطنية مخترقة بولاءات ضيقة،…والممارسات، عموما، تنافي صفات القيادة من:  إيهام،  تَزيييف، تَضْلِيل،  إِذْعان، إِنْقِياد، استكانَة،  امتثال، امتهان، تَبَعِيَّة، تَدَلُّل، خُضُوع، رُضُوخ…

أين هي القيادات الثوريّة والسياسية السوريّة المؤثّرة؟ وأين القائد السوري الذي يجمع السوريين في كلمة وفي خطاب وفي موقف؟ هل من قائد واحد يجمع  ربع الشعب السوري على قلب واحد ومنظور واحد ورؤية مشتركة وطنية، وقادر أن يخطاب العالم بوعي وشجاعة؟. بالطبع القادة خزانهم الشعوب، وهناك مشكلة  في وعي الشعب، وفي  الزعامات السياسية والفكريّة  التي أفرزها الشعب والظروف..

الآن…دماء وثورة وحرب..مناخ مثالي  لخروج القيادات التاريخيّة من رحم الألم والصراع. هذاهو الوقت المثالي لنشوء قيادات حرّة. وما حصل من اختراق مجتمعي سياسي مدروس بفصائل فوقيّة تحمل خطابات إشكاليّة ورجعيّة، وأمراء وخلفاء فهو عابر. القيادة ليست تسلطا عسكريا بقوة السلاح،  ولا خطابا نظريا في السياسة، ولا خطبة دينية، ولا مدير مشروع مدني أو مجلس محلي بالتمويل. هي قيادة إنسانية سياسيّة صادقة شجاعة مرتبطة بالألم ووثيقة الصلة بحلم الملايين من الشعب..

تجربة محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا والاستحقاق التركي التاريخي، درس  للسوريين ولزعامات المعارضات، ولم يعد المجال يتسع  للرماديين والمنافقين والباطنيين والجبناء… لابد من القراءة الهادفة بعيدا عن غوغائية الولاءت المتناقضة …وإدراك مايلي:
– الثورة ليست لأجل شخص، بل لأجل دولة ديموقراطية موحّدة. وفهم الأمور من زواية الشخصنة تضليل،  ويزيد في إشكاليات الصراع.
–  ضرورة التوعية الشّعبية الوطنية، فالوعي الشعبي المنظم هو القوّة في  بناء الدول وحمايتها .
– الدولة ليست تجمّعا سلطويا لرجال أعمال ورجال دين، ومافيات سلاح، وليست مجرد قادة أحزاب متناحرة، هي  دولة الشعب بكل فئاته ومؤسساته وممثليه.
– الديمقراطيّة  تجربة وطنية، ولا تأتي بأوامر فوقيّة، وليست لصالح  فصيل ديني أو قومي او حزبي أو مناطقي أو عشائري،  إنما هي محصّلة خبرة اجتماعية وسياسية تفاعليّة بين الجماهير وقياداتها في مسار وطني، ولتدوال للسلطة وفق الأسس القانونية والدستورية.
– نموّ الحريات وقيام العدل والديمقراطيّة، ونهضة المدنيّة والتحديث، لا تنسجم  مع هيمنة العسكر على الحراك المدني والحياة الثقافية لاسيما عند انصباغها بأيديولجية مستبدة؛ علمانيّة أو دينيّة.
– العقلية السورية ملزمة بأن  تخلع عن ذهنية عملها السياسي أحمال العقل الذكوري والأبوي،  وتعيد النظر، مبدأيا وعمليّا، في مشاركة  المرأة والشباب في العمل السياسي  وقراره.
– النزاعات وحراك الكراهية بالتشهير والإساءة والتحطيم،  تحت مسمى حرية الرأي والتعبير،  فوضى وتفكيك للروابط الوطنيّة. الحرية من دون قانون ومرجعيّة أخلاقيّة فوضى وغوغائيّة.

ونختم بأنّ  التشاؤم هو آخر مرحلة في الثورات المضادة…والتفاؤل تصنعه تجارب جديدة رابحة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.