الملحمة الشعبيّة الكُردية.. ثروة الكرد التي تمثل روح الشعب وآماله وأحلامه

الملحمة الشعبيّة الكُردية، ثروة الكرد الوحيدة التي لم يتمكن الخصوم من النيل منها. وهي الميراث الوحيد الذي لم يتمكّنوا من استلابه على الرغم من أن أولئك الخصوم استطاعوا تشتيت جمعهم على مساحات واسعة من الأرض.

82
الأيام السورية؛ خالد علوش

كان وما زال التراث الشعبي ينبوعاً ثرياً دائماً على صعيد اللغة، فاقتبس منه أجمل ما يرويه الشعب، وأروع ما ينشره الناس من أغانٍ، وما يسردونه من حكايات بأسلوب سلس وسهل وأخّاذ.

شكّل هذا الفنّ الأدبي الشّفاهي الرفيع، جزءاً هاماً من التراث الشعبيّ الكُردي عموماً، وأسهم في إثرائه وإغنائه وإعطائه قيمة كبيرةً لا تضاهى، وقد تطوّر هذا الفنُّ تدريجياً تطوراً كبيراً.

يقول الأديب والباحث الأرمني “أبافيان” وهو الذي عايش الكُرد، وخَبِر حياتهم في القرن التاسع عشر، في شهادته على الملحمة الشعبيّة الكُردية: “لقد تطوْرتِ الملحمة الشعبيّة الكُردية بخطوات عجيبة إلى الأمام، وبلغت أقصى ما يمكن من الكمال.

ثروة الكرد الوحيدة

والملحمة الشعبيّة الكُردية هي ثروة الكرد الوحيدة التي لم يتمكن الخصوم من النيل منها. وهي الميراث الوحيد الذي لم يتمكّنوا من استلابه على الرغم من أن أولئك الخصوم استطاعوا تشتيت جمعهم على مساحات واسعة من الأرض.

لذا لم يستطع الكرد تطوير ثقافتهم القومية ولغتهم كما ينبغي، ولكنهم ظلوا روحياً- وحدة متماسكة. وساعدهم الفولكلور في الاحتفاظ بأصالتهم والتصدي لأعدائهم. فمن المستحيل القضاء على روح الشعب وأفكاره ومعتقداته وآماله وأحلامه المتمثلة في الفولكلور.

تنقسم الملاحم الشعبيّة الكُردية إلى شكلين رئيسين:

1/ ملاحم العشق والحبِّ العذري:

والتي طالما عبّرت عن عاطفة الحبِّ الصادقة، ومنحته ملامح وخصائص واضحة. يقول الباحث (عبد الباقي يوسف): “أمسى الحبُّ في التاريخ الأدبي والفكريِّ والفنيِّ الكُردي مصدراً للإلهام، فنهلت منه هذه الإبداعات الفذّة لآلئ الرقصات والدبكات والأشعار والأغنيات والسرديات، فباتت تلك الحالات الغرامية الاستثنائية في تاريخ العاطفة الكُردية جزءاً من تراث هذه الأمة، ومشكلاً لجانبٍ من معالم هويتها.

رسم فني تخييلي لقصة سيامند وخجي(فيسبوك)

ولعلّ من أهمِّ ملاحم العشق في الأدب الشعبيّ الكُردي: ملحمة «شيرين وفرهاد». التي يتحدّث عنها الباحث (يوسف) بقوله: “العلاقة بين فرهاد وشيرين، هي قصة حبٍّ أذهلت كل قارئ لها بجميع لغات العالم، وقد خلّد الأدب الشَّعبي الكُردي هذه القصة، فكانت مصدراً لغزليات وسرديات وقصائد وأمثال، حيث نهلت منها الإبداعات الشعبيّة بما تحتويه من غنى في مدلولاتها، وتصوير دقيق لرهافة شعرية حالة الحبِّ البشري التي تربط بين رجل وامرأة.. إنها قصةٌ نابعة من وجدان المجتمع الكُردي الذي يلخِّص قضية الإخلاص والتفاني بالنسبة لهذا المجتمع، وهي من ضفّة أخرى تقدّم صورة عن شخصية الإنسان الكُردي ومفهومه لعاطفة الحب.

ونجد أيضاً ملحمة «خجي وسيامند» التي اشتهرت وذاع صيتها على المستوى العالمي، إنما بأسماء وبيئات مختلفة «تباً لكِ يا شجرة اللوز» مثالاً، وملحمة «زمبيل فروش» أو بائع السلال، التي تروي قصة أمير كردي، يترك حياة الرخاء في دار أبيه، ويعيش حياة الفقر والتزهّد، ويمتهن بيع السلال، فتقع في حبّه امرأة جميلة، وتطلب مبادلتها هذا الحب، ولكنّها لا تلقى جواباً يرضيها.

إلا أن أشهر ملاحم هذا النوع في الموروث الكُردي، هي ملحمة «مم وزين» المبنيّة على أساس حكاية «ممي آلان» والتي صاغها شعراً الشاعر الكبير (أحمد خاني) في 2659 بيت شعري، عام 1692، أي في آواخر القرن السابع عشر.

تجسِّد ـ هذه الملحمة ـ قصة فتاة كردية اسمها (زين)، تتمتّع بجمال وعفّة وجرأة، والفتى (مم)، العاشق النبيل الذي يخاطر بكلِّ شيء من أجل حبّه، والحفاظ على كرامته، لقد استطاعت هذه الملحمة أن تصوِّر واقع المجتمع الكُردي في القرون الوسطى، بجلِّ ما فيه من العادات والتقاليد والطقوس، وأن تكشف الستار عن القيم الاجتماعية البالية آنذاك، والتي لا تؤمن بحقِّ الإنسان في الحبّ دون أن تتدخّل الفوارق الاجتماعية، والحيل والدسائس التي تُحاك للفصل بين المتحابين.

2/ الملاحم البطولية:

التي تعكس، كسائر ألون التراث الشعبي، الصراع الأزلي بين قوى الخير وقوى الشر، وتشكّل مادّة غنيّة للتعرُّف على جوانب شتّى من الحياة الاجتماعية في المجتمع الكُردي، والملاحم البطولية الكُردية كما يراها الدكتور عز الدين مصطفى رسول تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

مزار زمبيل فروش(يوتيوب)

ـ النوع الأول: الملاحم المشوبة بصور ومظاهر خياليّة، أو تكون الشجاعة والبطولة أساس البحث فيها، مثل ملحمة: “رستم وزوراب”.

ـ النوع الثاني: الملاحم البطولية التي تروي فصولاً من البطولة والشجاعة، غير أنها خالية من الأحداث غير المعقولة والخارجة عن طاقة الانسان، وفيها كثيراً ما يكون أبطالها أناساً حقيقيين، مثل ملحمة: “عمي كوزي”.

ـ النوع الثالث: هذا النوع يصوِّر الأحداث بصورة كاملة من الوجهة التاريخية، مثل ملحمة: “شريف هموند” فبجانب توفر صورة الشجاعة فيها، إلا أنها تبرز صفحات من تاريخ الشعب الكُردي.

ومن أعظم الملاحم البطولية في التراث الكُردي: ملحمة “قلعة دُمدُم” التي تروي قصة بطولة واقعية، ترمز إلى كفاح الشعب الكُردي ومقاومته للتسلّط المتمثل في شخصية الشاه (عباس الصفوي)، في قلعة دُمدُم، مقتبل القرن السابع عشر، بقيادة الأمير أميرخان (ذي اليد الواحدة الذهبية) وقد نظَّمها شعراً الشاعر (فقيه طيران).

يقول البروفسور الكُردي (جاسم جليل) في كتابه: بطولة الكُرد في ملحمة قلعة دُمدُم: “تحتل ملحمة قلعة دُمدُم في حياة الكرد وتأريخهم وآدابهم وفولكلورهم مكانة عظيمة وعريضة وواسعة، ومضمون الملحمة أن أبناء عشيرة كردية بنوا لأنفسهم قلعة ليعيشوا فيها أحراراً، و لما عَلِم الشاه بذلك، شكّل جيشاً جراراً بقيادته وهاجم القلعة، إلا أنّ ساكنيها، وبقيادة بطل الملحمة، قطعوا على أنفسهم عهداً بأن يواصلوا مقاومتهم للجيش الغازي ويدافعوا عن قلعتهم حتى يموتوا عن آخرهم، وقد نفذ جميعهم هذا العهد، حين دخل الجيش القلعة لم يجدوا فيها حتى جريحاً واحداً، حيث قاوموا الغزاة حتى آخر قطرة دم مقاتل”.

يعكس الإبداع الشعبي عند الكُرد تاريخهم ونضالهم الإنساني عبر قرون طويلة، من أجل حريته وحقّه في تقرير مصيره.

وإذا نظرنا إلى جذور الفولكلور الممتدة في الماضي البعيد، لوجدنا أنه وثيق الصلة بمصير الشعب الكردي وواقعه.

وفي الفولكلور، من خلال شكل فني ينعكس الإدراك الفلسفي للشعب والظروف المحيطة به.


المصادر:

د. فؤاد حمه خورشيد، صور الحياة في الثقافة والفلكلور الكردي.
عبد الباقي يوسف، فرهاد وشيرين.. قصة حب من التراث الكردي.
د. مصطفى عز الدين رسول، الملحمة في الفولكلور الكردي.
جميلة محمّد، الإبداع الشعبيّ الكرديّ.. ثراءٌ بلا حدود.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.