المكنسة

سارا تحت المطر حتى الصباح، بقيا لفترة طويلة في منتصف الطريق، يفكران فقط ولا يتحدّثان، جسماهما تغطّيا بالوحل حتى الخصر، والبخار يتصاعد بلطف من ظهريهما المبتلّين.

يشار كمال

الروائي: يشار كمال
الترجمة عن التركية: نور عبدالله

اسم أحدهما رشيد، والآخر دورمش، رشيد كان طويلاً ونحيلاً، بينما دورمش كان قصيراً سميناً يشبه الكرة.
الفصل كان ربيعاً، وكانت السماء قد أمطرت، وسطع انعكاس الشمس على التراب، وبدا التراب وكأنّه يشعُّ نوراً.
سارا تحت المطر حتى الصباح، بقيا لفترة طويلة في منتصف الطريق، يفكران فقط ولا يتحدّثان، جسماهما تغطّيا بالوحل حتى الخصر، والبخار يتصاعد بلطف من ظهريهما المبتلّين.
من بعيد، من وسط السَّهل، التمعت ألواح التوتياء على المنازل الريفية كالمرايا.
رفع دورمش رأسه بتثاقل، كانت كتفا رشيد متهدّلتين من التعب وقد غارت وجنتاه المحترقتان، وبدا كأنّ العمر قد تقدّم به.
تبادلا النظرات، تابعا المسير دون أن يتبادلا الحديث، كانا مغمورين في الوحل حتى كواحلهما، يتعثّران من كثرة التعب.
سارا حتّى الظهيرة، وقد غطى الدّخان سطح الأرض المشعّة. من بعيد، من جهة الجنوب، زحفت سحابةٌ ضخمةٌ داكنة باتجاههما، دخلا المزرعة.
كان هناك ديكٌ أبيضٌ ينبش في كومةٍ من الروث، كلب مذعور مرّ من أمامهما. مُهرٌ تلمع رقبته يتمطمط برهةً ويعود ليتقافز. رائحة السماد الحامضة ملأت أنفيهما.
توقف دورمش ونظر إلى رشيد، توقف رشيد أيضاً، ثم تابعا سيرهما باتّجاه بناء كبير يشبه المخزن مصنوع من الطوب، وصلا إلى الباب، خرج لهما رجل نحيل قصير القامة، اعوجاج قدميه بان من تحت سرواله الأسود المهترئ.
فجأةً، قال: “قفا. أنزلا الألحفة عن ظهريكما”
دون أن ينبسا ببنت شفة أنزلا الألحفة بتثاقل من عن ظهريهما وأسنداها على الحائط.
رشيد: “هل لنا بمعرفة اسمك يا آغا؟”
الرجل: “اسمي ولي، أنا من بعد الآغا في هذه المزرعة، من الأفضل لكما أن تعرفا هذا، أنا قرة عين الآغا، والمسؤول عن كل شيء هنا.”
جلًّس رشيد ودورموش وقفتيهما، واتخذا وضعيّة أكثر احتراماً تجاه ولي. مما جعل ولي يشعر بالزهو.
ولي: “من أرسلكما؟ هل أعطوكما اسمي؟ ”
رشيد: “أتينا هكذا، من أنفسنا.”
أحس ولي بالانزعاج. سأل: “باسم من أتيتم، أيعقل أن يدخل أحد مزرعة العدس دون أن يذكر اسم ولي؟! ”
ـ “أتينا هكذا من تلقاء أنفسنا، لم نسأل أحد، رأينا المزرعة فدخلنا.”
غضب ولي: “ألم يقل لكما أحد إن هناك شخصا يدعى ولي، يستطيع أن يؤمن لكما عملاً؟!”
سكت رشيد.
ألحًّ ولي: “قولا، ألم يقل لكما أحد؟”
رشيد: “سمعنا عنك من القرية”
ولي: “لماذا لم تقولا هذا إلى الآن؟ إذن فقد سمعتما عني من القرية؟”
رشيد: “نعم سمعنا”
أشار لهما ولي بيده ليتبعاه، وتقدمهما، سار الاثنان خلفه. توقفوا عندما وصلوا إلى كوخ صغير متداعٍ، متهدّم الأسوار.
بدا ولي كالجندب. قال بخشونة: “يا امرأة! يا امرأة!”
ظهرت من الباب الصغير امرأة بشعر أشعث ووجه مجعد تحاول أن تغطّي صدرها المفتوح.
ولي: “يا امرأة! هذان ضيفانا”
انسحبت المرأة على الفور إلى الداخل.
أرعد ولي: “افرشي البساط، وضعي مرتبةً، ضيفانا سمعا اسم ولي وأتيا من البستان.”
تقدّمهما ولي ودخلا من خلفه.
كانت المرأة تفرش البساط في عجلة على أرض البيت الموحلة.
أشار ولي إلى طرف البساط وقال: “اجلسا”
ولي: “ما دمتما قصدتماني فأنتما على رأسي.”
لم يكن البيت ذو الغرفة الواحدة والسقف الواطئ الذي نمت الأعشاب عليه، يحتوي على ما يمكن أن يسمى بالأثاث، عدا مرتبةٍ صغيرة ولحاف بدون غطاء في زاوية البيت.
المرتبة كانت قديمة ومتسخة، تعاف الكلاب النوم عليها، كما يقولون.
كان أيضاً هناك كوب مصنوع من خشب الصنوبر، غارق من طرفه بالمياه المتسربة منه.
ولي: “يا امرأة.. هذان قد سمعا باسمي من قريتهم (البستان) وأتيا، أعدّي لنا القهوة بسرعة”.
وضعت المرأة غصنين يابسين على الموقد في زاوية الغرفة وأشعلت النار، ثم ملأت وعاء القهوة الكبير بالماء ووضعته على الموقد.
ولي: “يا امرأة.. فلتعدي قهوة جيدة، ولتكثري السّكر، هذان قد ……”
إلى جانب العمود الرئيسي في البيت يرقد كلب عجوز أسنانه متآكلة وفراؤه متساقط، واضعاً رأسه فوق ذراعيه، فتح عينيه ببطء عند سماع الضجيج وأعاد إغلاقهما.
ولي: “يجب أن أجد لكما عملاً جيداً”
رشيد: “سلمت يا أخي ولي أفندي، سمعنا بشهرتك وأتينا”
استدار ولي إلى زوجته: “اسمعي يا امرأة، ماذا يقولان”
ثم وجه كلامه إلى رشيد: “أعد ما قلته لتسمعه زوجتي”
رشيد: “سمعنا بشهرتك، فقطعنا الطريق من….”
ولي: “ما العمل الذي تحبان أن تعملاه؟”
رشيد: “الحصاد”
دورموش: “الحصاد”
ولي: “ستحصلان على العمل الذي تريدان”
قال رشيد باستحياء مطأطئًا رأسه: “وما هي الأجرة يا آغا ولي؟”
ولي: “ستحصلان على ما يحصل عليه الآخرون، أصبحتما من رجالي، لن يدفع لكما الآغا أقل من الغير، ألف شخص قصد هذا الباب، ليس واحدا ولا خمسة، يقول لي الآغا: “يا ولدي يا ولي لا تنس حق أحد أبداً، لقد غمرني الله برزقه، ولا تترك حق أحد في رقبتي، وتودعني جهنّم”
“ليس هناك مثل الآغا، ليس كالآغوات الآخرين، لا يأكل حق أحد ولا يضرب العمّال بالسوط، لو أعطى غيره قرشاً، هو يعطي خمسة، لا يأكل حق أحد، لا تخافا من هذه الناحية، أنا كفيل الآغا.”
رشيد: “عظيم يا أخي”
دورموش: “جيد، جيد.. هذا ما كنا نبحث عنه”
أمسك ولي بيد رشيد وقال: “لا يوجد مثل الآغا في تشوكور أوفا، رحيم وسع البحر، أنا معه منذ ثماني سنوات، ولم أر منه سوءاً قط، يأتينا إلى البيت، صدقني، يجلس على المرتبة التي تجلسون عليها الآن، ويسأل: يا بني يا ولي كيف حالك؟ يسألني: هل أنت بحاجة إلى نقود؟ وأجيب: لا يا آغا لا، لا أحتاج، بفضلك نكسب رزقنا ونعيش، وإن احتجت سآتي إليك وآخذ، فبابك دائماً مفتوح لنا. ثم يستدير الآغا نحو زوجتي ويسألها: كيف حالك يا ابنتي؟ كيف حالك يا كنّتي؟ هل تتدبرون أموركم؟ هل ينقصكم شيء؟ ”
استدار ولي نحو زوجته: “أليس هذا صحيحاً يا امرأة؟”
المرأة: “بلى، الآغا يزورنا دائماً، آغانا شخص جيد، بفضله لم ينقصنا ملح ولا صابون، ليس مثل الآغا أحد”
كان دورموش يستمع إلى ولي بدهشةٍ وقد أسند ذقنه على عصاه، يومئ برأسه إيجاباً كلما تحدث ولي، إلى أن زل لسانه وقال:” كم هو شخص جيد هذا الآغا، إن المرء ليفديه بحياته، وإذا التزم بدفع نقودنا فـ…”
هاج ولي غضباً: “ماذا تعني ب إذا التزم!؟؟ قلت لك إنني والآغا شركاء يا هذا.. أم تظنني أجيراً في مزرعته؟ هذه المزرعة بين يدي، لو لم أكن لبادت، ماذا تظنون، ماذا تعني بـ (إذا التزم)!! هي ملك يدي، أحرقها، أهدمها، آكل، أشرب، لا أحد يجرؤ على السؤال من أين أتيت أو إلى أين أنت ذاهب يا ولي”
استدار إلى زوجته، وكانت عيناها قد اتسعتا: “أليس كذلك يا امرأة؟”
المرأة: “كما يقولون، نحن من يدير المزرعة، وحدنا”
رشيد: “لا تغضب يا آغا، فهو لا يفهم هذه الأمور”
كان وجه دورموش محمراً وقد بدأت حبات العرق تقطر من وجهه.
قال بخوف: “فلتسامحني يا آغا، أنا لا أفقه هذه الأمور”
رشيد: “لا يفقه عن الناس ولا عن الكلام شيئاً”
نظر دورموش بدهشة من لم يعرف ما الذنب الذي اقترفه بعد: “أنا لا أفهم في الناس ولا في الكلام، اغفر ذنبي”
ولي: “هيا لقد سامحتك، قلت لكم أنا لست بأجير هنا، وهذه المزرعة مسؤولة مني، تصرفا على هذا الأساس”
في هذه الأثناء كانت المرأة قد أحضرت القهوة في كؤوس الشاي.
فكر ولي وقال متذكراً: “يا امرأة، لابد أن هؤلاء الأولاد جائعون، أعدي الطعام بسرعة”
المرأة: “صحيح، لم نفكر في هذا”
ولي: “سمعوا باسمي وجاؤوا من مدينتهم، مكانهم على رأسي”
سُمع صوت امرأة ثخين في الخارج:
“ولي!! يا ولي!! فلتصاب بالعمى يا ولي، لم تكنس بيتنا ولم تكنس تحت الثيران بعد.. هيا أسرع!!”
شدّ ولي قبضته وقد استحال لونه رمادياً:
“هذه المرأة!! لا تليق بالآغا!! عديمة الإيمان!! حتّى إنها تجعلنا أنا والآغا نكنس البيت”
نهض بسرعة، وأمسك المكنسة باستياء.


نور عبدالله، صحفية ومترجمة سورية مقيمة في اسطنبول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.