“المكارثية” صنيعة “الغرفة البعثية المظلمة” 

“جويل” كانت “من اتباع سيدنا عيسى عليه السلام”.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تحت الدرج في زاويةٍ شبه معتمة، نزلتُ بعيداً عن عين الرقيب… وضعت الحقيبة جانباً، بعد أن أخرجتُ من داخلها “سجادة الصلاة”… تأكدتُ من عدم وجود أحد… رفعتُ يديّ مكبراً… وشرعتُ بصلاة الظهر.

أهوي للسجود… صوتٌ خشنٌ ينهرني… أكملُ صلاتي… ثم… ضربةٌ على الرأس… أكملت دونما توقف… كنتُ فقدت إحساسي بالصلاة… لكنني أحب التحدّي، ربما طبيعتي التي فيها شيءٌ من صلابة البادية… أنا الرجل الذي ما اعتاد إلا “التلطف”، لكنّ “المجابهة” اليوم تعني لي ولمن وقفن من “البنات والشباب” خلفي الشيء الكثير.

انتهت الصلاة بالتحيات… وخلفي كما ذكرت بعض زملائي في الجامعة… هم من أولئك الذين وجدوا فرصةً للصلاة في ركنٍ معتمٍ… مثلي.

إحساسُ “الإمارة” و”القوة” غلبني… انهال عليّ بعض “الشبيحة” -ممن استدعاهم “الدكتور”-بالضرب… «هَيْ جامعة يا ابن الـ”…”، مو جامع…، أنت من جماعة الإخوان يا “…”، ولا وهابي…؟!».

ضربوا زملائي… واقتادونا إلى غرفة “الفرقة الحزبية”.

في الغرفة… قرقعة المتة تعلو على كلِّ شيء… الرفاق مجتمعون بمزاجٍ جيد يستمعون لـ”علي الديك” … “راحت تقمقش حطب”.

  • هؤلاء يصلون يا رفيق…
  • ولا ابن الـ”…” الصلاة للكبار… إذا ناوي تموت لقوصك ونرتاح منك ومنهِن…؟
  • لهجةٌ مشؤومة تمثل أسلوب “رجل المخابرات”… لا تمثل “سياسة الحزبي الجامعي”.
  • شو عم تقول…؟! على كل حال اليوم مزاجي رايق ومسلطن روح ولا بقى تعيدوها.

الرغبة بتحديهم كانت دافعاً أكبر بكثير مني… دخلت المدرج… انتظر ارتفاع صوت “أذان العصر”… بعض زملائي انفضوا عني… بعضهم هالهم منظر “قميصي الممزق”، وبعضهم ربما فضّل حجز مقعد للتفرج.

ما هي المشكلة إذا صلينا…؟! ليس من الضرورة أن نلجأ لركنٍ معتم هرباً من “عيون المخبرين”… كيف يتحول “الدكتور الجامعي” إلى “شبيح” فقط لأنه وجد شباباً يمارسون طقوسهم مع “الله”… يقرأون “لا إكراه في الدين”… وآيات الرحمة بالناس التي دعت إليها تعاليم دينهم؟!

قررت الانسحاب… فؤادي مثقلٌ بالتفكير… ورأسي تتجول بداخله “رصاصة” تسعى للخروج…لم أكن يومها أعرف أحكام “الكفر والردة”… كنتُ مؤمناً فقط… أحبُّ الدخول على “الله” بالصلاة.

حاولت “جدتي” -رحمها الله-منعي عن الذهاب لـ”جامعتي”… هددتني بالمقاطعة… أمي كانت “أكثر قوةً منها”… اذهب وافعل كما فعلت… همستُ بأذنها: “ماما بدك تخلصي مني لحتى ما تزوجيني؟!”.

دخلت الجامعة… أحملُ معي حقيبتي و”سجادة الصلاة” … أحملُ دفتر مذكراتي الذي أهدته لي “أختي” لأكتب على وريقاته “قصائدي” عن “الحب” … لا شيء إلا “الحب”.

يدّعون أن “الصلاة” تدعو للفكر “المتطرف”، وكان برأيهم هذا السبب كافياً لإغلاق زاويةٍ خصصت من قبل للصلاة بالكاد تتسع “خمسة أشخاص”… !!

تقترب مني “جويل” -أجمل بنات الجامعة-على الأقل من وجهة نظري الأدبية حيث كنت أصورها من بعيد على وريقاتي وأكتب لها وعنها بخجل… كانت يومها ترتدي لباس “راهبة” … بدت فيه أجمل ما تكون… لم أفهم كيف سمحوا لها بالدخول به، ألا يعتبر ذلك تجييش “طائفي”، في وقتٍ لا يسمح به بدخول الشباب بالجلابيب مثلاً… ؟!

يتعمدون خلق “الفتن”… تلك “نتاج تفكيرهم في الغرف المظلمة”.

ألقت التحية… صافحتني… شعرتُ بحرارة يدها تضم يدي… وكأنما رحت أعانق العالم… ضجيج المكان تلاشى… وانتشر صوت نبض قلبي… لم أكن أحمل لها “محبةً” لكنها “رغبة الكتابة” لـ”ملهمة”.

همست بصوتها الخافت:

  • “بدك تصلي”؟
  • ما جئت إلا للصلاة في ذات المكان.
  • أحسنت، سأكون خلفك… هل تسمح؟

الدهشة والرغبة دفعتني للموافقة دون تردد.

حوارٌ بين “ديانتين”، لم يكن مطلقاً عن “الصلاة”… كنا نتحدث عن “تشكيل وجه سورية” بلا “بشار الأسد”… الذي أوهمنا أن “التدين رديف التطرف”… عن أي تطرفٍ وقد جمعتنا شراكاتٌ مع “شركاء الوطن بمختلف مشاربهم؟!”.

“جويل” كانت “من اتباع سيدنا عيسى عليه السلام”.

قبيل الصلاة، الحديث كان يدور عن “تضييق “نظام الأسد” و”مخابراته” على الناس في أداء شعائرهم، ووضعهم جميع المتدينين في بوتقةٍ واحدة… معايير الشك في التعامل مع المواطنين… إنها «المكارثية» تمارسها أنظمة الحكم العربي عموماً… بل إنّ سورية لم تكن يومها تحمل إلا الفكر “الصوفي”، ولا وجود بيننا لـ”سلفيةٍ” أو “وهابية” إلا ما ندر، وهم لا يختلفون عن غيرهم مطلقاً… خنق حرية المعتقد ومحاولة إعدامه منهج خطير على أمن المجتمع… الأكيد أنه سيفتح باب “الغلو والتكفير”… سوف يجد “بيئةً خصبة”.

  • تتفقين معي “جويل” أليس كذلك…؟!
  • متفقة تماماً، بدليل ثيابي هذه التي ارتديتها من أجلك، نحن نشكل وطناً “زاهدٌ وراهبة”، لكنك ترتدي ربطة عنق… أنت “شيخ موديرن”… تضحك بصوتٍ رقيق كأنما تحاول التوقف عن الكلام.

نادى المؤذن “حيّ على الصلاة”… توجهنا لذات المكان… ثمة من يتابعنا… تدفعني بصوتها:

  • أكمل الطريق “لا تلتفت”… إننا نتجه نحو الوطن… ثم تهمس برفق: “ما بدي أدفعك بأيدي حتى ما تعيد الوضوء”.

التفتُ إليها:

  • بدك تجيبي آخرتي؟!

رفعتُ يديّ مكبراً… “جويل” على يساري تتمتم ببعض الدعاء الذي لم يكن إلا “صلاةً لسورية”.

يتوافد “الشبيحة”… يقتادونا إلى ذات الغرفة… يتوقف مسجل الصوت ويسكت “علي الديك”… يتوقف الجميع عن “قرقعة المتة”… صمتٌ يخيم على الغرفة “المظلمة”… الكل يعرف “جويل”… لكن ذلك لم يمنع إلصاقي بـ”تهمة الخيانة والعمالة”… ليس لـ”تنظيم القاعدة”، العمالة “للإسرائيلي” كما وصفني “الرفيق البعثي”.

ترى ماذا لو حملتُ يومها كتاب «التوحيد» لابن تيمية… يومها لم تكن “داعش”، عموماً “إخواني” أو “قاعدي” جميعها “مجرد تهمة”، لكن المصيبة أنهم وصفوني بالتجسس لصالح “إسرائيل”… الأمر الذي دفعني و”جويل” للضحك بصوتٍ مرتفع.

ضُرِبتُ أمامها وهي تصرخ: “أتركوه”… ألم الضرب كان يوازي إحساسي بالفخر أمامها… كما لو أنني لم “أضرب”… ركلني “الرفاق البعثيون” خارج الغرفة بعد أن وقعت تعهداً خطياً يقضي “بترك الصلاة”.

“جويل” غادرت الجامعة إلى إحدى الدول الأوربية… لم أتواصل معها منذ آخر لقاء جمعنا قريباً من “المسجد الأموي”… ربما لأنني أردت الاحتفاظ بـ”طيفها”… ربما… بل حتماً لأننا سوف نلتقي كشركاء في “دمشق”… لا أحب الوداع كما لا أحب ترك الصلاة.

لم أترك الصلاة… ولم ولن أترك البندقية والقلم، لعلي أصافح “جويل” ذات صباح.

«إننا مؤمنونٌ نحب “الصلاة” كما نحب “الوطن”»… آخر كلمات “جويل” في الغرفة المظلمة البعثية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.