المقاومة والتحرير وثقافة الموت

بقلم : عبده وازن –

أبدى نائب حزب الله في البرلمان اللبناني محمد رعد امتعاضه مرة من الحياة الثقافية التي تشهدها بيروت، وكاد أن يرفع اصبعه متوعداً أهل الثقافة والأدب والفن «المارقين» والخارجين عن ثقافة المقاومة التي هي ثقافة «الموت». لم يرُق للنائب وحزبه أن تتمتع ثقافة بيروت بمقدار عال من الحرية والجرأة، وأن تمعن في هتك «التابو» الطائفي والمذهبي وتخطي المحظورات «الأخلاقية» المستوردة من مبادئ الثورة الإيرانية التي أعلن الحزب انتماءه إليها. لم يرُق لرعد وحزبه أن تكون ثقافة بيروت ثقافة العلمنة والمواطنة ورفض الهويات «القاتلة»، ثقافة تعلن انتماءها إلى الحياة والحداثة والتحرر والمعرفة… امتعاض نائب حزب الله حينذاك من ثقافة بيروت لم يكن اعتباطياً ولا عفوياً بل عبّر عن موقف ورأي هما موقف الحزب ورأيه. هذه الثقافة المتحررة من كل «وصاية» تأتي من خارجها تزعج فعلاً مشروع حزب الله الثقافي القائم على معاداة كل ما لا يجاريه ويخدمه، سياسياً وأيديولوجياً.
اليوم، في الخامس والعشرين من أيار- مايو، يحتفل حزب الله وفئة من اللبنانيين بالذكرى الخامسة عشرة لتحرير الجنوب اللبناني من براثن الاحتلال الإسرائيلي البغيض والمجرم. هذا واحد من أعياد اللبنانيين الجميلة وإن كان ناقصاً أو غير مكتمل. عيد التحرير، عيد الانتصار على العدو الإسرائيلي، عيد استعادة الأرض التي كانت محتلة. هذا يوم تاريخي وإن بدا مقصوراً على فئة من اللبنانيين، بل وإن بدا أنّ حزب الله هو مَن قصره على نفسه وعلى مقاومته المذهبية. ولا يضير الحزب ألا تكون فئة من اللبنانيين غير معنية بهذا العيد. هذا عيب وطني طبعاً. لكنّ هؤلاء يعتبرون أن حزب الله هو الذي حال دون مشاركتهم فرحة التحرير. إنهم يأخذون عليه عنجهيته الوطنية، يأخذون عليه فوقيته في التعاطي معهم ومع القضية اللبنانية. هم لا ينسون الأصابع التي ارتفعت مراراً مهددة ومتوعدة، ولا الأشباح السوداء التي أرعبت المواطنين. هم لا ينسون كيف قضى الحزب على آثار المقاومة العلمانية الأولى ليرفع على أنقاضها علمه الأصفر. إنهم لا ينسون أيضاً كيف انقضّت المقاومة التي حررت الجنوب على ناحية من بيروت واحتلتها وأذلت أهلها. إنهم يرون الآن بأعينهم كيف اخترق حزب الله الحدود السورية، لا الإسرائيلية، ليقاتل مع النظام السوري الجائر، بل ليقاتل عنه في أحيان ويدمّر مناطق سورية ويقتل أهلها في بيوتهم وأراضيهم، مؤدياً مثله مثل النظام السوري الديكتاتوري والحركات التكفيرية الأخرى خدمة كبيرة للعدو الإسرائيلي الذي لم يتهيأ له يوماً أن العرب أنفسهم سيريحونه من الجبهة الوهمية، «جبهة الصمود والتصدي» التي تدعمها إيران، من غير أن يبذل أقل جهد.
عيد التحرير عيد جميل ولو أصبح ذكرى. كل طعنة توجّه إلى خاصرة إسرائيل هي انتصار لنا. إسرائيل الدولة الأشد أصولية، الأشد تعنتاً وتجبراً. لا تريد إسرائيل مقاومة علمانية، حرة أيديولوجياً، ومنفتحة على حضارة العصر الحديث. إنها تريد مقاومة دينية وطائفية ومذهبية. مثل هذه المقاومة تخدمها وإن وجهت لها ضربات موجعة. النظام الصهيوني العرقي والأصولي والطائفي يريد أعداء يشبهونه. وأخطر ما يتهدده ويهدد كيانه هو العدو العلماني.
عيد جميل عيد التحرير، لكنه ليس عيد الاستقلال. الاستقلال شارك جميع اللبنانيين على اختلاف مشاربهم، في صنعه. اتحدوا ونزلوا إلى الشوارع والساحات وحرروا الأرض كلها. أما حزب الله فلم يتفرد وحده دون اللبنانيين الآخرين في تحرير الجنوب إلا ليفتح الباب أمام وصاية أخرى هي الوصاية الإيرانية. سمح لها، هي مرجعه السياسي والديني والعسكري، في أن تحول الجنوب إلى جبهة فارسية مفتوحة، تقرر هي متى تشعلها. هذا احتلال آخر ولو كان مجازياً أو رمزياً. احتلال يرفضه علانية نصف اللبنانيين، الذين هم مبدئياً شركاء حزب الله في الوطن. شركاؤه الذين لا يستمع إليهم ولا يبالي بهم.
لا أحد يدري ما سيكون مآل الأحوال الراهنة، سياسياً وعسكرياً. لكنّ بيروت تصر على عيش ثقافتها اليومية بحرية وجرأة. لم يستطع حزب الله أن يعطل هذه الثقافة، ثقافة الحياة والجمال والحماسة. ولن يستطيع مهما امتعض نوابه وكادوا أن يلوحوا بأصابعهم. بيروت أصعب من أن تكون ضحية سهلة، مهما غدرت بها الأيام. بيروت لا يمكن أن يلغيها حزب ولا جماعة ولا أيديولوجيا.
الحياة_

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.