المغامرون الخمسة.. نهضة بوب آرت أم ترسيخ لثقافة السلطة!

إنها حركة ترمي إلى خلق التعبير الذاتي الذي لا يمتلك قيمة السلطة الاجتماعية أو قواعدها وقوانينها، وهذا بطريقة ما كان متوفراً في مفهوم حركة البوب آرت، لكن هل كان فعلياً متوفراً في سلسلة المغامرين الخمسة؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

بشكل أو بآخر يمكن لنا إطلاق صفة المعرفة العامة على نوع من كتب الناشئة التي انتشرت بشكل كبير خلال الثلث الأخير من القرن الماضي بين أوساط الشباب الذين كانوا على وشك الدخول إلى عالم القراءة؛ طبعاً ليست قاعدة عامة للبدء بهذا النوع من الكتب، لكنها كانت حالة شبه شاملة، وهي عبارة عن سلاسل روائية قصيرة أو ما أُطلق عليه (روايات الجيب)، وربما أشهر هذه السلاسل التي انتشرت بين المراهقين لتكون فاتحة لعالم الكتب لاحقاً هي ما يُعرف باسم المغامرون الخمسة التي ابتدأت في السبعينيات مع الكاتب المصري محمود سالم، وتنوعت مع الكاتبة هدى الشرقاوي في المغامرون الأربعة، والمغامرون الثلاثة.. الخ.

لكن السلسلة الأشهر كانت فعلياً مع محمود سالم والمغامرون الخمسة، وهم عبارة عن أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و 14 عاماً، كانوا يقومون بالتحقق من قضايا سرقات واختطاف وحرائق، وهم لوزة ونوسة ومحب وعاطف وتختخ، وكانوا على صلة مباشرة مع أحد الضباط الكبار وهو المفتش سامي الذي كان يثني على جهودهم في مساعدة الأمن وتحقيق العدالة، وأيضاً كانوا في حالة صراع وسباق مع الشاويش فرقع في صيغة من هو السبّاق في الاستنتاج والمهارة والقبض على المجرمين.

وصف هذا النوع من الكتابة في الوطن العربي في السبعينات والثمانينات على انه تجسيد لحركة البوب آرت الفنية التي كانت قد بدأت الانتشار في نهاية الستينات في أوروبا، ويمكن القول إنها من ناحية تعبّر عن الحركة الفنية من حيث كسر النمط الكلاسيكي في تركيب الحدث وعدم التركيز على المضمون النفسي والفلسفي بقدر ما هو تجسيد لقوة الفرد الذهنية واستنتاجاته في الواقع.

إنها حركة ترمي إلى خلق التعبير الذاتي الذي لا يمتلك قيمة السلطة الاجتماعية أو قواعدها وقوانينها، وهذا بطريقة ما كان متوفراً في مفهوم حركة البوب آرت، لكن هل كان فعلياً متوفراً في سلسلة المغامرين الخمسة!.

من قرأ السلسلة أو بعض أعمالها ربما يتذكر الآلية التي كانت متبّعة من محمود سالم في رسم شخصياته في التوصل للنتائج، وهي بنصف الأعمال اعتماد فردي ومغامرات توقعهم في مشاكل مع عصابات، وفي النصف الآخر اعتماد على مساعدة الشرطة لهم أو مساعدتهم للشرطة؛ ورغم ما توحي به السلسلة من القدرة الفردية وعدم الخضوع للمنهج الاجتماعي الذي كان هو ميزة فنون البوب آرت، إلا أنّ السلسلة وشخصياتها وطرق اكتشاف الجرائم وآليات التنفيذ البوليسية للمغامرين والاستنتاج هي أساليب الشرطة، وتكرار لنظام صيغة السلطة ومقولاتها التوهيمية بأنّ المهمة هي تحقيق العدالة أولاً وأخيراً. إنهم يمارسون وعي المؤسسة الأمنية في البحث عن الإجرام والمجرمين من حيث مفهوم السلطة نفسها لفكرة التجريم.

وبالأخص أن الدور الذي كان يلعبه المغامرون في كثير من الأحيان هو صيغ إنقاذ الوطن من أعدائه الجواسيس أو التجار الكبار الذين يضربون تاريخ وثقافة البلد، وكأنهم جنود من حيث مفهوم الولاء، وكأنّ العدالة في السلسلة هي مساهمة الفرد المدني باتخاذ دور المؤسسة الأمنية، متغاضين كلياً عن اعتلاء السلطة ورموزها للحكم وتفردهم وتكوين عصاباتها، وكأنّ الإجرام هو شكل مقابل للسلطة دائماً ولا يمكن أن يكون جزءً من السلطة. بهذا المعنى كان الخلق في السلسلة أقرب للتوهيم وترسيخ ثقافة الطاعة منه لتحقيق العدالة.

تكثر في السلسلة هذه النمطية الذهنية التي ترسخ لدى القرّاء بأنّ مهمة الفرد المدني هي المشاركة في تحقيق العدالة بحسب مفهوم السلطة القائمة، بالإضافة أن الشخصيات هي الملتزمة بالقوانين الاجتماعية والدراسية والثقافية وتمتلك من الذكاء ما يكفي للتفوق على رموز السلطة الشعبية كالشاويش فرقع لكنها لا تتجاوز ذكاء السلطة المتمثلة في المفتش سامي، إنها النموذج المتكامل للسلطة الذكية التي تستطيع تطبيق العدالة بمفهومها، وهي أيضاً الشخوص التي تتمنى كل سلطة أن يكبروا ليصبحوا جزءً منها، وهذا الحوار مكرر في كل السلسلة.

المغامرون الخمسة سلسلة رغم ما توصف على أنها حالة بوب آرت رافضة للتقليد لكنها في العمق ليست سوى قبول لنمط الترسيخ السلطوي خلال نصف قرن مضى، سلطة حكمت بالحديد والنار ليس في مصر فقط بل في الوطن العربي، وساهمت السلسلة مع سلاسل المغامرين الآخرين بإنتاج عقول اجتماعية ملتزمة بكل قوانين السلطات الموجودة وجعلت شريحة واسعة من الناس تقولب ذاتها ووعيها بأنّ السلطة هي شيء مهم للوطن والعدالة دون تساؤل، إنها صورة تقليدية بأنّ الجميع جند في هذا الوطن دائماً وأبداً، إنها إسقاط لصفة المواطنة أمام فكرة التابع للسلطة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.