“المعحزة” … مرهج … -عقاب يحيى

يقول من يعرفونه صغيراً أنه المرض الذي أصابه فأورثه مجموعة عُقد، فقد ولد بعدد من العاهات التي لم تكن ظاهرة فيه، لكن وبعد زمن، وحيث يجب أن يعبّر الأطفال عن أنفسهم ببعض الحركات، والأحرف لم يبدِ شيئا من ذلك وكأنه شبه مشلول، شبه أخرس، شبه معاق حركياً، وذهنياً.. وكانت رحلة طويلة بين الأطباء، وشقاء للأهل وكلفة في مشفيات عامة وخاصة تقذفهم بين اقدامها دون أمل، وأبو مرهج متعلق جدأً ببكره، ومستعد لبيع الذي فوقه وتحته لأجل علاج مرهج الغالي.. خاصة وأنه حلم به كثيرا، ورأى قبل ولادته أشياء كان لا يبوح بها لغير “معلمه” حول قدوم ولد فيه أشياء قدسية قد تجعله البلسم الشافي لكل أوجاع الفقر، والتعتير، والأمراض، وغيرها..
ـ ولأن الطبّ عجز تماماً عن تقديم العلاج اللازم، رغم أن كل الفحوصات، والصور، والتحاليل، وأنواع التشريح المرضي المختلفة لم تكتشف أسباباً عضوية لعاهات مرهج، وكان كثير الأطباء يبرم رأسه خيرة، أو يحيلهم إلى الله الشافي، القادر على كل شيء..
ـ وعلى غرار منامات أبو مرهج التنبؤية.. رأى ما يشبه الحقيقة، وهو في شبه يقظة ملاكاً أبيض بأبيض، من النوع المؤنث الذي يحاكي وجهه القمر، وهو يعلمه أن حكاية مرهج لا علاقة لها بأي نوع من المرض، بل هو أمر آخر يتصل بعالم الجن، حيث أنه مسكون من جنية نهمة تزوجته وهو ما يزال نطفة، وأنجبت منه عديد الأولاد مما أدى لاستنزافه تماماً، وأن علاجه الوحيد لن يكون إلا على يد شيخ مقتدر يخرج الجن من القنّ، ويحرر مرهجاً بشكل كلي ليعود مبهجاً، يقوم بالدور المأمول.. بما في ذلك تبوّء منصب مسؤول، وتأمين مستقبل غني بكل محصول ..
******
في قريتهم شيخ مدّعٍ لا يؤمن به أبو ميهوب، فقد سبق وتناقرا يوم ولادة العنزة التي جاءت بطرح ميت، بعدما أنبأه أنها حامل بتوأم، وكذا يوم رفض علاج مرهج وهو ما يزال في شهره الأول، مدّعياً أن الولد لا حياة ولا مستقبل له، وأن الخير كل الخير إهماله ليقضي الله أمراً مفعولاً بدلاً من الشقاء مع الأطباء والمشافي..مما اضطر الأب للذهاب إلى شيخ طبقت شهرته الآفاق، وملأت أعاجيبه الجبال والوديان والسهول، وكأنّ هناك أجهزة إعلامية مختصة تروي قصصاً كالخيال عما فعل، وأنقذ، وعالج ونكّز.
ـ ورغم أن الشيخ الشهير كان متهاوناً، نسبياً، في المبلغ الذي لطشه، نتيجة التوسلات، والحالة البائسة للأب.. إلا أنه وبعد يوم طويل، وانتظار أيام مضنية بعده لم يفعل شيئاً للولد، وكذب عليهم وهو يقذفهم إلى موعد بعد شهر، وأنه فعل ذلك لثقة أكيدة بأن مرهج سيستعيد عافيته ويجيء جرياً، وسيتكلم بعدة لغات دفعة واحدة، وأن الولد مسكون من أربع جنيات وليس واحدة، ومشكلته أنه محبوب منهن كثيراً لذلك لا يتركنه إلا بخرق القتاد، وبجهود مضنية من الشيخ ستضطره إلى تصفيتهن جسدياً، وذبح قبيلة الأولاد الذين جاؤوا من ذلك الزواج المحرّم ..
ـ ومضى الشهر، ومرهج على حاله، بل ازداد وضعه سوءاً، ولعثمة، وهزالاً .. وكان لا بدّ مما ليس منه بدّ الذهاب بمرهج إلى شيخة متطرفة مذهبياً، وقيل الكثير حول سيرتها، وماضيها، وحاضرها.. لكن المحتاج يركب الصعب ، خاصة وأن مناماً من تلك المنامات إيّاها اشارت له عبر ذات الملاك بابتسامة لأخذ مرهج إلى الشيخة بهيجة,, ومرهج بعمر الخامسة وكأنه ما يزال رضيعاً في اشهره الأولى.. وهو بالفعل ما يزال رضيعاً..ومتكوّراً، ولا يأتي بأية حركات
استغرب أهل مرهج لذلك الاستقبال البهيج من بهيجة، وإخبارها لهم بأنها تتوقع زيارتهم من زمان، وتعرف المشكل بالتفصيل، لذلك أمرتهم أن يعودوا إلى قريتهم ويتركوا لها مرهجاً الغالي لأسبوع.. سيستلمونه بعدها آخر..
ـ وكانت المفاجأة.. فعلاً.. فمرهج هو الذي استقبل أهله بعد أسبوع جرياً، ورقصاً، وبلغات كثيرة لم يفقه الأهل منها ولا كلمة سوى ذلك النذر اليسير من أحرف عربية مدغومة مع غيرها من لغات أجنبية يمكن أن تصل العشرين وأكثر..وبدا أكبر من عمره بكثير، كأنه تجاوز المراهقة.. الأمر الذي أدى إلى حالة إغماء عامة بالعائلة فقدت الأم حياتها إثرها، بينما أصيب الوالد بشلل نصفي ..ووقعت أخته سهيلة فكسرت قدمها كسرين، وبلع أخوه كاسر جزءاً من رسن الكرّ فانخلع فكّه….بينما أصيب جدّه مرهج الكبير بالخرس الكامل..وكأن لعنة أحاقت بالعائلة، وقيل أن السبب يعود إلى بهيجة الحقودة وليس غيرها، وأن لا علاقة لمرهج أبداً بالذي حصل بدلالة أنه هجم عليها ونهش جزءاً من فخذها، وكان يريد الوصول لرقبتها كي يخرج لها “جوزتها”، وأنه كان يصرخ بصوت رجل مسنّ أنها الشيطان الرجيم.. فانهال الخلق رجماً لها.. ونجحوا في قتلها.. بينما تكوّمت مجموعة جثث وإصابات وكأن نكبة عارمة حلّت بالعائلة، والمكان .
*****
نسي الناس حكاية طفولة مرهج، وعائلته، وبهيجة ليس لأنهم بلا ذاكرة، معاذ الله.. فمثل هذه القصص لا تموت، وتتناقلها الأجيال ثقافة، وتسالي المنطقة على مرّ العهود.. لكن وجود مرهج في موقع مسؤول حساس يشار إليه بالبنان كان يجعل الكلمات ترتجف لذكره، فكيف إن تجرّأ أحدهم، كائناً من كان، على فتح فاصلة من تاريخه القديم، وعجزه الذي كان.. وحكايته تلك؟؟..
ـ ومرهج الذي يريد أن يعوّض سنوات العاهات نجح بالفعل في تكوين مركز خاصة به ووضعية ترتبط باسمه عنواناً للشرور والجبروت، والقتل والجريمة المنظمة، والنهب والشفط.. لدرجة أن عديد المسؤولين ـ زملاءه ـ باتوا يهابون سطوته، وعنفه، ويتقون ذلك بالابتعاد، أو بمجاملته بمزيد من الأوصاف التي يغدقونها عليه.. فيفتح أشداقه قهقهة، ويزيد من عنجهيته، ودمويته، وبطشه….
عقاب يحيى
25/6/2014

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.