المعارضون السوريون.. شيطنة العدو وتنزيه الذات

بمناسبة إعلان روسيا عن تطوير لقاح لكورونا

تميل العقلية الشعبية في بلدان المنطقة إلى رؤية الأمور من منظار الثنائيات الضدية: الخير والشر، الأبيض والأسود في التعاطي مع بعض من جوانب الحياة، وجزء من هذا الأمر يعود إلى مجمل الوعي الجمعي، وإلى الثنائيات في التفكير الديني.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

أعلنت روسيا الأسبوع الماضي عن تطويرها لقاحاً لكورونا، وعن بلوغها مراحل متقدمة في اللقاح، ولفت نظري أن عدداً كبيراً من المعارضين السوريين ذوي الدرجات العلمية والمثقفين بادروا إلى السخرية من الخبر، ونفيه جملة وتفصيلاً، ورغم أن انتقاداتٍ وُجِّهت إلى طرق اختبار اللقاح التي تبدو غير كافية، إلا أن طريقة نفي بعض السوريين المطلقة للخبر دون الدخول في أية تفاصيل تبدو ملفتة للنظر، وتدفع إلى التساؤل عن سبب التعاطي مع الموضوع على هذا النحو.

إذا ما نظرنا إلى تاريخ روسيا والاتحاد السوفييتي في الحقل الطبي وجدنا سويةً لا بأس بها من التقدم في مستوى الأطباء والعلوم، وحالياً يوجد عشرة مشافي في روسيا مصنفة في الألف الأول من ترتيب المشافي على مستوى العالم. لعل جزءا من المشكلة في الوعي الشعبي؛ يعود إلى وجود ألوف من خريجي الاتحاد السوفييتي السابق خاصة من الأطباء يفتقرون إلى المستوى العلمي المطلوب، وأغلب هؤلاء كان يتم منحهم منحاً دراسية رغم مستواهم العلمي المنخفض ومن ثم تخريجهم بسرعة كي لا تتكلف الدولة السوفييتية نفقات إضافية عن رسوبهم. كما أن هنالك الكثير من الجامعات الخاصة ذات السوية المنخفضة في روسيا، كان السوريون وما يزالون يذهبون إليها للدراسة، ويساعدهم انتشار الفساد في التخرج منها، خاصة أن الأطباء السوريين سيعودون إلى بلادهم كي يمارسوا الطب على مواطني بلدهم لا روسيا مما يسهّل عملية الرشوة.

في الحيز السياسي، تصبح هذه الرؤية أكثر حدةً، ونظراً لكون روسيا دولةً مؤيدة لنظام الأسد وتشارك في قتل السوريين من خلال جيشها، إضافة إلى أنها محكومة بنظام دكتاتوري، أدى ذلك إلى كره المعارضين السوريين لها فيما يرفعها مؤيدو النظام إلى مرتبة الملاك المخلص.

وتميل العقلية الشعبية في بلدان المنطقة إلى رؤية الأمور من منظار الثنائيات الضدية: الخير والشر، الأبيض والأسود في التعاطي مع بعض من جوانب الحياة، وجزء من هذا الأمر يعود إلى مجمل الوعي الجمعي، وإلى الثنائيات في التفكير الديني.

في الحيز السياسي، تصبح هذه الرؤية أكثر حدةً، ونظراً لكون روسيا دولةً مؤيدة لنظام الأسد وتشارك في قتل السوريين من خلال جيشها، إضافة إلى أنها محكومة بنظام دكتاتوري، أدى ذلك إلى كره المعارضين السوريين لها (فيما يرفعها مؤيدو النظام إلى مرتبة الملاك المخلص). يُفهَم هذا الكره للنظام الروسي، غير أن طريقة التعاطي والتعليق على النظام الروسي، توحي بوجود نموذج واحد للاستبداد في أذهان المعارضين السوريين هو نموذج نظام الأسد، حيث يستولي النظام على كل مفاصل المجتمع ومؤسسات الدولة حتى في أدق التفاصيل، كما يظهر عدم إدراكهم لدور العامل التاريخي الذي يبقي البلاد قادرة على تحقيق إبداعاتٍ في شتى المجالات، فروسيا راكمت تطوراً في الفنون والآداب والموسيقى والعلوم جعلها تحتل مكانة لا يستهان بها على مستوى العالم، وأسأل نفسي هنا: هل يسخر المعارضون السوريين من مستوى أطبائهم؟ علماً أن سوريا دولة عادية في مجال الطب، وتحتوي عدداً لا يستهان به من الأطباء ضعيفي الكفاءة يرتبكون الكثير من الأخطاء الطبية!، وليس أدلّ على ذلك من العبارة الشعبية: “هاد دكتور شاطر، هاد مو شاطر”، والمقصود بالدكتور الشاطر هو من يدرك كيفية التعامل مع معظم الأمراض المعروفة ولا يرتكب أخطاءً، أو لا يخطئ في وصف أدوية لا يجوز أن تعطى معا، أو تعالج المريض لكنها تؤذيه؛ لأنها غير مناسبة له!. لا يكتفي المعارضون السوريين بعدم انتقاد مستوى أطبائهم، بل يشطح بعضهم ويقول إن الأوربيين يرغبون باستقطاب العقول السورية وإن الأطباء السوريين مشهورون على مستوى العالم بكفاءتهم!

والتعاطي مع العالم ومع السياسة بهذه الطريقة لن يقود إلى أية نجاحات وانتصارات، بل سيقود إلى الغرق في الأوهام، ومواصلة محاربة طواحين الهواء، والاستمرار في لوم كل الدنيا على كوراثنا إلا أنفسنا.

ويعتقد كثير من المعارضين أن إحراز روسيا لأي تقدم علمي هو انتصار لنظامها الحاكم، حقيقةً هذه العقلية هي عقلية من تربى في ظل نظام استبداد الأسد، حيث يصبح النظام هو الشعب والشعب هو النظام، فلو أن مجموعةً من الأطباء الروس حققوا إنجازاً طبياً ما، فهل يعني ذلك بالضرورة أن النظام الروسي جيّد؟، على سبيل المثال: لو نجحت الصين بإيجاد لقاح للكورونا، هل سينفي ذلك عن النظام الصيني صفة الاستبداد؟ ألم يبلغ الاتحاد السوفييتي سطح القمر وهو يمارس كافة أشكال القمع تجاه شعبه؟

إن هذا العماء الأيديولوجي من أسوأ ما تعلّمه السوريون في دولة البعث، فلا بدّ لك من شيطنة خصمك في كل شيء، والتعاطي مع العالم ومع السياسة بهذه الطريقة لن يقود إلى أية نجاحات وانتصارات، بل سيقود إلى الغرق في الأوهام، ومواصلة محاربة طواحين الهواء، والاستمرار في لوم كل الدنيا على كوراثنا إلا أنفسنا!.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.