المعارضة السورية من أي طينة جُبلت؟

 بقلم: د. أسامة الملوحي أسامة الملوحي

المعارضون السوريون…أين هم؟ هل تحس لأحدهم من نبضٍ هذه الأيام أو تسمع لهم ركزاً؟….صامتون ساكنون بيادق بلا حراك ينتظرون أن يستدعيهم من ركنهم أو يحركهم من أسكنهم….ينتظرون ويتنبؤون تنبؤ المُقعد الذي ليس بيده شيء ولم يستمد من الثورة أي عنفوان.

الدول القريبة والبعيدة تبدِّل مواقفها تجاه الثورة السورية بتأثير العمل الدؤوب للنظام وحلفائه: عمل سياسي ودبلوماسي ومخابراتي وعلاقات عامة ظاهرة وباطنة ومكرٌ في الليل والنهار, والمعارضون السوريون يقضون عطلتهم الصيفية ويسمّرون أجسادهم ولا يعكر صفوهم وسياحتهم إلا بعض المتطفلين الذين يلتقطون لهم بعض الصور “التقدمية” الخاصّة.

ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن المعارضين قد تركوا في غيابهم آلة المجيب الآلي التي تُصدر مناشدات ومطالبات للأمم المتحدة والجامعة العربية كلما زاد عدد القتلى في سورية عن مئات في اليوم, أو كاد النظام أن يبتلع منطقة برمتها.
من هم هؤلاء ومن أي طينة جُبلوا وكيف تكوّنوا؟؟؟ المعارضون تبلوروا في عدة كيانات كان أبرزها المجلس الوطني ثم الائتلاف ثم الهيئة العليا للتفاوض وكل كيان أتى جمّد سَلَفَه وسَلَفَ سَلَفِه.

ولم يحزن أحد على ذوبان الائتلاف وتبلور الهيئة العليا للمفاوضات مكانه لمّا حققت بضعة مواقف إعلامية ناجحة في جولات التفاوض وتجاوبت الفصائل والهيئات الثورية بسرعة ولهفة مع الهيئة العليا وأصبح رياض حجاب قطباً بارزاً يتجاوب معه الجميع ويسمع لرأيه الكثيرون, وساعدنا في قطبيته بإيجابية عسى أن نقلل التشرذم والضياع والانفلات…ولكن حجاب وللشهر الثالث على التوالي غاب وسكن, وربما حار ونفذ ما في جعبته ودخل في طور التشرنق و الانتظار والتكهن, أو انصرف إلى إجازته الصيفية, وأعداء الشعب السوري لا يضيعون لحظة واحدة ولا يُصيّفون ويستمرون ليل نهار في الهدم والقتل والتجويع مُعتصرين الشعب المنتفض.

ومن سيدفع المعارضين للتحرك والمبادأة؟ ومن سيضغط عليهم أو يضع لهم سقفا للمطالب والثوابت؟ ويحدد لهم سقفا زمنيا لعملهم وإنجازهم إن كان هناك انجاز؟….هل هناك أصلاً من اختارهم وانتخبهم ووضع المسؤولية في أعناقهم ويملك أن يحاسبهم ويضغط عليهم؟ نعم…هم بلا ريب مختارون منتخبون ولكن ليس من شعب منتفض أو من ثوار مستمرين أو ناشطين معلومين وإنما من دول أو وسطاء تابعين لدول.

المعارضون السوريون في الخارج منذ بداية الثورة السورية لم يشتركوا إلا بأمر واحد…اشتركوا بأمر رفضوه…أمر رفضوه جميعا رغم أنه الأمر الوحيد الذي من الممكن أن يجمعهم ويُصلح شأنهم، أمر وحيد اتفقوا عليه وربما تواصوا به وأوحى بعضهم إلى بعض أن يفر منه، إنه “الانتخاب”: هو الموت الذي منه يفرون… يفرون من الانتخاب إلى كل اتجاه بلا هدي أو صراط ويَضيعون و يُضيّعون الفرص والشرعية، أي شرعية حقيقية في أي دولة أو هيئة أو مؤسسة في العالم لا تنشأ إلا بالانتخاب أو بتحقيق المكاسب، ومن ينقلب على أقرانه ويفرض نفسه بالقوة ويحاول أن يفبرك شرعيته ويحبك مبرراتها بحملة دعائية ضخمة فيها المبررات والمصطلحات والإلتفافات فهو ملتف على الشرعية ومغتصب خطر للكيان الذي هيمن عليه.

والمغتصب قد يعرّف لك شرعيته بالشرعية الثورية أو الشرعية النضالية أو الشرعية الممانعة أو ما شابهها كما فعل آل الأسد وأقحموا في الأذهان كتلة من المصطلحات المعجونة المخمرة ويكررونها عليك باستمرار وإرغام حتى تصل إلى مرحلة السكوت أو الجنون.

وفي الأحزاب والتكتلات والمجالس يفرز الانتخاب وحده القيادة الشرعية التي تكون قوية وحازمة ولا يستطيع أحد أن يشكك فيها أو يقف ضدها لأنه سيواجه كل من انتخبها وسيواجه كل من رضي بالانتخاب وسيلة لاختيارها حتى لو لم ينتخبها، وفي المؤسسات تكون هناك أسهم ورؤوس أموال , وأصحاب الحصص الكبرى هم أعضاء مجلس الإدارة حكماً وصاحب الحصة الأكبر هو رئيس مجلس الإدارة بلا منافس…والحصة هي رصيد ومكاسب موضوعة في عمل المؤسسة وشغلها، والمعارضون السوريون في الخارج لم يوفروا لأنفسهم شرعية الانتخاب ولم يصلوا إلى إنجاز أو عطاء يمنحهم شرعية المكاسب.

 

 

 

 

من في الائتلاف ومن كان في المجلس الوطني قبله اغتصبوا منصات المعارضة وتقاسموها واحتكروها وصبر عليهم كثيرون علّهم يحققون للثورة مكاسب أو فوائد وقد كان متاحاً أمامهم ذلك في عدة مستويات من الانجاز:
أعلاها أن يصنعوا الفرص المُحشِّدة للثورة السورية ويديروا استثمارها بأفضل وجه ,أو أقل من ذلك فلا يصنعون الفرص بل يقتنصونها إذا سنحت ومرَّت أمامهم, أو أقل وأقل من هذه وتلك فيوجهوا ما وضع في وسط أحضانهم وبين أيديهم من فرص وإمكانيات ونفوذ.

لو أنهم زرعوا أو حصدوا أو استثمروا ما جمع لهم لتكونت نتائجُ وثمارٌ وقدراتٌ هائلة للثورة على مدى خمس سنوات ونصف ولأصبح أصحاب الجهود حُكما هم أعضاء مجلس الادارة وينتخبون رئيسا لهم.
أما وأن الجهود في الخارج لم تحشد ولم تفعّل ولم تثمر بكثرة وافية إلا ما كان من جهود الجنود المجهولين المتفرقين .فقد استحال تجمع العاملين أصحاب الجهود المثمرة ضمن مجلس إدارة ينتخبون رئيسا لهم.
لقد كان الانتخاب أمام المعارضين السوريين حلا وحيدا لابد منه لتشكيل مجلس بأي اسم تكون شرعيته مستمدة من كل الذين انتخبوه وكل من ارتضى الانتخاب وسيلة للاختيار حتى لو لم ينتخب من نجح.
وطرحنا عليهم الانتخاب منذ أكثر من خمس سنوات…طرحنا الأمر مكتوبا مفصلاً…طرحنا الانتخاب وسيلة ونهجا وفصلنا في طريقة الكترونية منظمة محكمة لإنجازه وقلنا لهم:
بالإمكان أن يشترك في الانتخاب آلاف من المعارضين والناشطين في الخارج وذكرنا لهم كل التفاصيل الإجرائية والتحوطات الأمنية وأبدى أحد رجال الأعمال السوريين المستقلين استعداده لتمويل العملية وتحصينها….ولكن الجميع نفر وفر…فر من الانتخاب وكأن الانتخاب هو الموت.

منهم من سأل كم يستغرق تنفيذ فكرة الانتخاب ؟ فأجبناه أسبوعين الى ثلاثة , فردّ وقتها بهتاف مجلجل :شعبنا يُذبح وليس لدينا وقت لأسابيع وقد مضى على جوابه أكثر من خمس سنوات.
منهم من قال لا يمكن الاعتماد على الأجهزة والطرق الإلكترونية للانتخاب فأتيناه بخبراء شرحوا له حتى سكت ولكنه بعدها انصرف.
منهم من قال لا يوجد إرادة عند الأطراف لتنفذ ذلك لانهم يخشون أن لا يختارهم من خبرهم وأن يختار غيرهم عمراً وعطاءاً وقد صدق.
ومنهم من كان أكثر صراحة فقال: قد ينتخب أنصارنا وجوها شابة غيرنا من صفوفنا ليكونوا ممثلين في أي مجلس معارض منتخب فتكون العاقبة ليس أن نُنحّى نحن كمعارضين فحسب, بل نزول كمستحوذين تاريخيين لكياناتنا و أحزابنا لسنين طوال.

 

كل الدول الإقليمية والدولية اللاعبة في الملف السوري لم تشجع الانتخاب أو تجاهلته أولم تنصح به أو رفضته أو كل ذلك….وفي غياب الانتخاب اختارت كل الدول المعنية رعايا لها في مجالس المعارضة وكل دولة حسب قدراتها فكان للدول القوية أو الغنية كثيرين وللسلطة الفلسطينية واحد فقط.
وفي غياب الانتخاب ضاعت أي هيبة للمعارضين المحتكرين فكان أي مناظر أو منتقد يستطيع أن يشكك في شرعية أي محتكر وأن يكيل له ما يشاء من عبارات الذم والتقريع وهذا قد يشف الصدور المتألمة من قصور المعارضين ويذهب غيظ قلوبهم ولكنه ليس بمشرف في خضم ثورة عظيمة كالثورة السورية،وضاعت الهيبة أيضا أمام الدول الفاعلة ومندوبيها حتى وجدنا أن هناك من وُبخ وأُهين وطُرد من موظف صغير يمثل ممثل دولة ما.

 

وفي غياب الانتخاب تزداد البغضاء والكراهية تجاه المعارضين المحتكرين من الذين أُبعدوا وهُمشوا وحق لهم ذلك، وفي غياب الانتخاب ظهرت المحاصصة وتكرست وثُبتت مكوناتٍ غير متجانسة للسوريين حتى ظن البعض أن مكونات الشعب السوري هي: الإخوان وكتلة الأحزاب الكردية وتجمع العشائر وكتلة إعلان دمشق…وكلما أرادت مجموعة جديدة أن تكوِّن مكونا له حصة دائمة لها, فعليها أن تستعين بدولة مؤثرة وتعقد مؤتمرا ضخما وتُثبت مكونا جديدا للشعب السوري كما حصل في تأسيس كتلة الديمقراطيين، وظن البعض أن مجرد عقد مؤتمر يكفي ليضاف مكونه ولم يعلم إلا متأخرا أن عليه أن يأخذ اعتماداً من دولة مؤثرة لاعبة أولاً…وخسر بجهله أموالاً صرفها على المؤتمر لم يُكمل إلى الآن تسديدها.
وفي غياب الانتخاب صار هناك حتى لِلّاعبين الداعمين لبشار الأسد حصصاً في مجالس المعارضة فحُجزت مقاعد لحين الطلب لهيئة التنسيق ولمعارضة موسكو وغيرهما، وفي غياب الانتخاب يغيب عشرات آلاف الناشطين والمعارضين عبر العالم الذين يملكون مهارات وقدرات هائلة ولو شاركوا في عملية انتخابية كبرى لأصبحوا معنيين ومهتمين ومنخرطين حكما في العمل الثوري والسياسي والتعبوي المساند.

 

والغريب أن كل المعارضين الذين اعترضوا على التهميش والإقصاء ولم يعترفوا بالائتلاف وأرادوا أن يتقاربوا فيما بينهم وأن يشكلوا كيانات بديلة فرّوا أيضا من الانتخاب الموت واشتغلوا على أساس من سبق ودبق والتصق، والسؤال الكبير الذي يراود المتمعن: لماذا يكره المعارضون السوريون في الخارج أن يكونوا شرعيين منتخبين لهم سند قوي…سند يمثله آلاف وآلاف من المعارضين والناشطين ؟ لماذا ؟

والشعب السوري المنتفض منذ البداية يريد وأعطى الفرصة ليكون له ممثلين حقيقيين لثورته وللدفاع عن حقوقه، وكل مخلص لهذه الثورة لا يمكن أن يرفض مجلسا معارضاً ذي قوة وشرعية لا يطعن بها أحد، وقلنا لهم ليحشد من يريد أنصاره ليسجلوا ويدعموه في الانتخاب وهذا سيشرك كثيرا من المتوقفين أو المهمشين.

 

وليثبت لنا الجميع أنهم معارضون أكفاء ليس بنظر أنفسهم وإنما بنظر آلافٍ غيرهم، من رفض ويرفض فكرة الانتخاب هو مغتصب يخشى على نفسه من الزوال وليس لشخصه ولا لفكرته من نصيب عند الاحرار والثوار ولابد أن يزول، من يرفض الانتخاب صراحةً أو من وراء حجاب أو من خلف أعذارٍ فهو فاقد لشيء يدّعي أنه سيصونه إن تم في سوريا ألا وهو الحرية والاختيار الحر، من يرفض الانتخاب بدعوى أنه يخالف الإسلام فقوله مردود مزور فلم يُمض النبي صلى الله عليه وسلم أمرا بين المسلمين إلا واستشار وانتخب رأيهم ولم يستشر مرة واحدة ولم يأخذ بما أشار عليه المسلمون وبما اختاروه.

 

ومن يحيي أمر الانتخاب اليوم رغم التأخر الشديد والضياع المديد فسيحيي أملاً في انبعاث ممثلين حقيقيين للشعب السوري المنتفض , ممثلون سيفرضون هيبتهم بسرعة وسيفرضون ثوابت ثورتهم وسيرضخ كل اللاعبين والعابثين لزوال بشار الأسد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.