المشي

تعود ملكية المنزل الذي يسكنانه إلى والدة الزوجة، منزل جيد وجميل لكنه بعيد عن مراكز التسوق، كانت أمها تمتلك سيارة، وتلك هي ذاتها التي باعها الكاتب الساخر فيما بعد، وأصبح تسوّق الزوجة كاتبة مسرحيات الأطفال هو بداية ونهاية كل شيء.

عدالت

الأديبة التركية: عدالت آغا أوغلو
الترجمة عن التركية: نور عبدالله

راغب آرسال، كاتب ساخر، تتداول الأيدي كتبه، نكاته المضحكة، حكاياته الكوميدية، ورواياته الهزلية، خصوصاً نكاته التي تتهافت عليها دور النشر لطباعتها، بحيث إن راغب آرسال لا يلحّق طلبيّاتهم.

كاتبنا الساخر في الستينيّات من عمره، ومع ذلك، قوامه متناسق، وسيم بلا رقبة ثخينة، ولا كرش. وهو مدين بهذا لمشيه الطويل، وحسب قوله يكتب جميع نكاته المضحكة تقريباً أثناء المشي.

كلّ صباح بعد الفطور يمشي بخطوات طويلة مسافة 2-3 كيلومتراً على رصيف المشاة بين ساريار وطرابيا. في نهاية الطريق هناك مقهى يجلس فيه ليرتاح من جهة، وليفرغ ما كتبه في ذهنه بخط مقروء على الورق برفقة كأس من الماء وفنجان من القهوة من جهة أخرى.

زوجة راغب آرسال أيضاً كاتبة، تكتب مسرحيات للأطفال، تُعرض هذه المسرحيات في مسرح الأطفال التابع لمسارح البلدية، ولذا كانا ميسورَي الحال.

ليس لعائلة آرسال أطفال، كانا سيرزقان بطفل في بداية زواجهما، لولا أن الطفل وُلد ميتاً، ولم يرزقا بغيره.

كاتبنا الساخر، وفور عودته إلى البيت، يسلّم ما كتبه في الطريق لزوجته، التي-وبكل سرور- تكتب ما خطّه بيده على الآلة الكاتبة، وترسلها إلى دار النشر.

تحدث الزوجان عن هذه التفاصيل بفرح في حوار سابق أجري معهما. يا لها من حياة مليئة ولطيفة، أليس كذلك؟ نعم، ولكن ما يسمى “الحياة” بمداخلها ومخارجها، ومساراتها المليئة بالخير والشر، لا تنذر بما ستفعل، ولا بمن ومتى.

في يوم من الأيام، كاتبنا الساخر وفي واحدة من مشياته المشهورة، في أفضل مكان من رصيف المشاة، يتعرض لاصطدام يشبه صعقة البرق، يقع على بطنه، وبحركة فطريّة يضع يديه على رأسه فيحميه، حتى إن نظّارته لم تنكسر أو حتّى تقع… أوراقه بقيت مشدودة بحزم بين أصابعه، وقلمه في جيب سترته التي لا يهمل لبسها فوق القميص عند الخروج للمشي. حقاً لقد نجا بأعجوبة من هذه السقطة، لا بد أن هناك التواء في كاحل رجله اليسرى حتى إنها تؤلمه بهذا الشكل. فهو بالكاد يستطيع الوقوف، وبالرغم من وجود من ساعده وطلب له سيارة الأجرة، إلا أنه يركبها متألماً. يصل إلى البيت، الزوجة لا تستطيع تصديق سقوطه بهذه الطريقة، لتيقنها بأنه ماشٍ ماهر، لكنه مضطجع أمامها، كاحله يؤلمه بشدة. الزوجة المصدومة تستدعي طبيباً فوراً.

جاء الطبيب وفحصه، “من الممكن أن تحصل نكسات كهذه في عمر معين” هذا ما قاله الطبيب، وأضاف: “مع ذلك نحن محظوظون، كاحله سيشفى بسرعة.” يلفّ الكاحل بالضمادات مستعيناً بالجبس.

كاتبنا الساخر يجلس على كرسيه المعتاد، نعم لقد نجا بأعجوبة من هذا الاصطدام، لم يصب بأي أذى في رأسه، ولم تُدمَ يده أو يجرح رأسه، ماذا يريد أكثر من ذلك؟ صحيح أنه ليس هناك ضرر مرئي من الخارج، لكن أشياء كثيرة كانت تجول في الداخل، يعتقد الكاتب الساخر أن عيناً قد أصابته، عليه من الآن فصاعداً أن يكون أكثر حذراً، لا ينبغي أن يقف على رجليه ويتجول حتى داخل البيت.

أسوأ أفكاره كانت: أنّه سيتوقف عن مشيه المعهود، كان يخاف الاصطدام مجدداً، تحول خوفه هذا إلى خوف مرضي، لدرجة أنه صار يمسك بيد زوجته حتى داخل الحمام. وما أن تقول زوجته:” ليس بك سوء، لن تسقط، آن لك أن تصحو” حتى تقوم القيامة الحمراء في البيت.

تستعين الزوجة البائسة بطبيب نفسي من أصدقائهم المقربين وتستشيره، يأخذ الطبيب الأمر بدعابة ويقول:” لا تقلقي، سوف يتجاوز الأمر، لابد أن التمدد على الأريكة يعجبه” يقول إنه سيعود إلى مشيه المعهود.
لننس المشي خارج المنزل، فراغب آرسال أضحى يخاف المشي داخل المنزل.

الجانب الأسوأ في هذا الوضع أنه لم يعد يكتب نكاته الساخرة بنفس الطلاقة القديمة، ثمّة تكرار في أفكاره، ودار النشر حائرة ومندهشة، فلا مجال للمقارنة بين قصصه الجديدة وقصصه القديمة المضحكة، مازالوا يطبعون القصص الجديدة، ولكن شيئاً فشيئاً، صار بائعو الكتب يعيدون بعض النسخ دون بيعها.

ليس هذا فقط، بعدما أصبح الكاتب الساخر لا يغادر المنزل، اختل نظام حياته، لم يعد يعرف أين ومتى وماذا وكم سيكتب، مواعيد الطعام أصبحت غير منتظمة، زوجته لم تعد قادرة على كتابة مسرحيات الأطفال لأن الكاتب لا ينفك يدخل المطبخ ويعاين الطعام على الموقد ويتذمر قائلاً:” لا تطبخي هذا اليوم، بل اطبخي ذاك، هذا سمنه قليل وذاك ملحه كثير”. الزوجة ستجنّ من هذه الحال، الجدال بينهما يزداد يوماً بعد يوم، والتسوق من أجل الطعام بات معضلة كبيرة، فالكاتب الساخر كان يتسوق وهو عائد من مشيه المعهود، ليس لديه سيارة، قديماً كان يمتلك واحدة لكنه باعها لعدم تمكنه من إيجاد موقف لها كل يوم، كان يقول:” سأستقل سيارة أجرة كل يوم بثمن سيارتي، أوه يا لها من راحة”.

تعود ملكية المنزل الذي يسكنانه إلى والدة الزوجة، منزل جيد وجميل لكنه بعيد عن مراكز التسوق، كانت أمها تمتلك سيارة، وتلك هي ذاتها التي باعها الكاتب الساخر فيما بعد، وأصبح تسوّق الزوجة كاتبة مسرحيات الأطفال هو بداية ونهاية كل شيء.

قررت الاستعانة بالطبيب النفسي من جديد، والطبيب بدوره جلس قبالة كاتبنا الساخر عاقداً حاجبيه وقال:” أنظر يا راغب آرسال، هذا ليس بحال، قم، وتعال إلي كما وأنك ذاهب إلى عيادة طبيب، ولتتمدد على الأريكة، لأحلل خوفك من السقوط، ولنجد له حلاً، سوف نتحادث طويلاً، حسناً!” لكن هذه ال(حسناً) لم تتم، لأن راغب آرسال لم يذهب إلى صديقه الطبيب النفسي أبداً. هذه السلبية أثارت غضب الزوجة واستياءها.

من جهة أخرى بدأت دور النشر التي كانت تنتظر نكاته الساخرة بقول:” هكذا لا ينفع” والكاتب الساخر بدأ يسقط من الأعين أسرع مما توقع، سابقاً كان يزورهما قرّاؤه، ومشاهدو مسرحيات الأطفال، ليهنئوا الزوجين ويمدحوهما، وكان الزوجان يستمتعان بهذا ويقيمان لهم مآدب الضيافة، لكنهم لم يعودوا موجودين، نعم يوماً بعد يوم اختفت تلك الأيام المتلألئة.

أصبح كاتبنا الساخر لا يغادر المنزل، ولا يستطيع التخلص من خوف الاصطدام والسقوط، لكنه يسقط من الأعين بنفس الدرجة.

ولأنه لم يعد يساعد زوجته في التسوق أصبحت تعمل كل شيء وحدها، ولم تعد تستطع كتابة مسرحيات الأطفال إلا ليلاً بعد أن ينام. لم تعد تحتمله وتريد الانفصال، لكن إلى أين ستذهب؟ وأين ستنام؟ المنزل لها، تركةٌ من والدتها، راغب من عليه أن يذهب، لكن راغب جالس كالعادة وكأنه غير مدرك للتذمر من حوله، وعدا عن كل هذا، كانا قد أحبا بعضهما وقضيا سويةً أياماً رائعة، كيف لها أن تترك زوجها المعروف برباط الكاحل، لا يليق بها هذا، لا يليق بهما هكذا انفصال. حسناً، ماذا عليها أن تفعل؟! متى ستكتب النكات -التي من غير المعروف متى سينهيها- على الآلة الكاتبة وترسلها إلى دار النشر؟ ماذا لو هربت وأخذت معها الآلة الكاتبة؟ لا، لا يمكنها، سينهار الكاتب المشهور بعد فترة من البقاء في المنزل هكذا. بدأت تسقط في حفرة من اليأس وهي تحاول إيجاد حل، إلى أن خطرت لها فكرة، سوف تجلب له مساعدة إلى المنزل، عليها إيجاد خادمة تتسوق وتطبخ، بدأت تبحث عن خادمة يُدفع لها شهرياً، إلى أن وجدتها، راتبها الشهري كان كثيراً ولكنها ستكتب مسرحيات الأطفال أسرع وأفضل وبذلك سوف تؤمن راتب الخادمة، إلا أن القيل والقال والشائعات قد بدأت تنتشر بخصوص الكاتب المشهور الذي مازال القراء يتهافتون على كتبه، كتّاب (جدّيون) تطبع من كتبهم فقط ألف نسخة، ولا تنفد خلال سنة يثرثرون:” هذا الشعب يستمتع بالدجل” ليشعر بالراحة، وهو يحتسي الكحول بجانب الفستق والبندق. بالمناسبة، رسام الكاريكاتور الذي ترافق رسوماته كتابات راغب آرسال والذي حنق عليه لأنه لم يتمكن من بلوغ شهرته بدأ بالإساءة إليه قائلاً:” وجد امرأة كالملاك، فأرخى نفسه للجلوس طوال الوقت، لا يهمه العالم”، ” لولا أن زينت رسوماتي كتبه لكان من الصعب بيعها”.

انتشرت هذه الشائعات بسرعة إلى درجة أنها أقلقت نوم الكاتب، لم يعد ينام جيداً، مشغولاً بإجراء اتصالات إلى هنا وهناك ليكذب الشائعات، اتصل بالصحافة إلى أن سئموا منه، وبدأوا بالتفكير:” لهذا الرجل اضطراب المذنبين” ولا يترددون في الافصاح عن أفكارهم هذه. لم يصدق كاتبنا أنه يسقط من الأعين بهذه الطريقة، وحاول أن يجد الراحة بالتفكير بأن المثقفين في النهاية هم أشخاص غيورون، ولكن ما الفائدة! بدأ يلوم نفسه ويفقد الثقة بها، وبينما بدأ يفقد موهبته في الإضحاك بدأ يصب غضبه على الخادمة الجديدة، فيصفعها على وجهها إن تأخرت بجلب كوب الماء. أعلمت الخادمة زوجته بأنها تتركهم وتوجهت باكية إلى دار النشر: “انظروا إلى من تقولون عنه كاتباً، لقد كاد يقتلني” فكان رد دار النشر على راغب آرسال الذي لم يقتل في حياته ذبابة : “لقد هرم، وانتهى، إلى هنا ينتهي كل شيء، يا للأسف” ويتردد: “لقد هرم، وانتهى، إلى هنا ينتهي كل شيء، يا للأسف”.

يبدو أن خوف السقوط قد ساهم بالسقوط.

لا يبكي من سقط بنفسه.


نور عبدالله، صحفية ومترجمة سورية مقيمة في اسطنبول

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.