المسرح السوريّ احتضار أم إعادة هيكلة؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ الحديث عن المسرح السوريّ، ضمن وضوح تطوّره زمنيّاً، وضمن معرفيّته كثيمة أساسيّة، وهو الشكل التعبيريّ عن نقد سلبيّات الحياة وما يتبعه من مظاهر تمتدّ بين الأخلاق والسياسة كصيغ نقديّة، إلّا أنّ ذلك الوضوح المُفترض بالنسبة لممارسه، بقي أسيراً لبنية مجتمعيّة ترضى بالنقد التفريغيّ لصعوبات الواقع، وليس تحويلاً ثوريّاً لفكرة التغيير الحقيقيّ.
في عام 2008، أطلق الكاتب التشيكي ميلان كونديرا جوهر نظريّته النقديّة المُسماة بـ (موت الرواية) كفعل كتابي لم يعد قادراً على مجاراة السرعة الواقعيّة للحياة، وتحدّث عن الموت الإبداعيّ ببطء. فالعالم يتحوّل من بنية العقل الاستبصاريّ لإفراغ ما يجول في الجمجمة إلى صورة بصريّة محكومة بإبهار حركيّ لا يعتمد على رومنسيّة الكلمة وأهمّيّتها تأثيريّاً في حياة البشر.
من هذا المبدأ نستطيع الانطلاق للحديث عن المسرح كثيمة بديهيّة، أنّ المسرح قبل أن يكون فعلاً أدائيّاً أمام الجمهور، هو بالأصل صيغة لغويّة لها بُناها الخالصة. فهل حقّاً مات المسرح كثيمة لغويّة؟.

إنّ أوّل عمل مسرحيّ في سورية ابتدأ مع مارون النقّاش عام 1848 بعرض يحمل اسم (البخيل) المأخوذة من مسرحيّة موليير

وإن كانت تلك المسرحيّة تفتقد لكثير من مقوّمات المسرح الحقيقيّ، فلم يكن لها سوى الصبغة التقليديّة الفرنسيّة، وبعيدة عن علاقة جوهريّة مع البنية العربيّة، كانت تلك هي الانطلاقة لتعريف الجمهور العربيّ بوجود مفهوم المسرح.
لكنّ أوّل بذرة مسرحيّة حقيقيّة ابتدأت مع أبو خليل القبّاني عام 1871 بعرض يحمل عنوان (الشيخ وضّاح ومصباح وقوت الأرواح) وكان هذا العمل يحمل مقوّمات المسرح كحكائيّة وأداء.

أبو خليل القباني

ورغم الجهد الجليل الذي قدّمه القبّاني في 40 عملاً مسرحيّاً، لكن بقي المسرح كصيغة أولى، ضمن مهمّة وضع الأسس لتطوير هذا الفنّ، ويبحث ببعض التفاصيل الاجتماعيّة المُهادنة للمجتمع، فخلق صراع مع تقاليد مجتمعيّة كان لا بدّ أن يكون للمسرح الناشئ الموت المُحيق.
وبعد رحيل القبّاني إلى مصر لتأسيس المسرح العربيّ، بدأ بالظهور في سورية حراك مسرحيّ تمثّل في أسماء غيّبها الواقع السياسيّ فيما بعد كعبد الوهاب أبو السعود ومعروف الأرناؤوط أمين الكيلاني ومحمّد خالد السلبي وعمر أبو ريشة وسعيد تقيّ الدين وداوود قسطنطين الخوري وعبد الرحمن أبو قوس ورضا صافي ووصفي المالح ومراد السباعي وبهيج غاتا وفؤاد سليم وعبد الرحيم الغزّاوي.
وخلال 50 عاماً لاحقة، بقي المسرح يتطوّر بخطوات بطيئة نتيجة الاضطرابات السياسيّة والدوليّة التي عاشتها سورية. وفي العقد الثاني ببداية القرن العشرين، ابتدأت الفرق المسرحيّة بالنشوء، مُعتمدة على ما يُنتجه العقل في تقديم تلك العروض (فرقة الصنائع بحلب 1928 – فرقة ايزيس 1931 – فرقة ناديا العريس 1935 – فرقة الكواكب وعبد اللطيف فتحي في الأربعينيّات – فرقة سعد الدين بقدونس في الخمسينيّات – فرقة المسرح الحرّ لرفيق جبري ونزار فؤاد – فرقة محمود جبر ومسرح الشوك خلال الستينيّات والسبعينيّات).
وكانت تلك الفرق تعتمد النمط الدعائيّ والترفيهيّ الذي يحمل بعض جوانب النقد الاجتماعيّ الخجول، دون التعرّض للتابوهات المُقدّسة المُتمثّلة بالدين والسياسة، أو حتّى التطوير المعرفيّ لجوهر المسرح. وأخذت تلك الفرق تعتمد شهرتها من خلال ذلك المنهج النقديّ الترفيهيّ، وتغييب الجانب النظريّ للمسرح الكتابيّ.
لكنّ النهوض العربيّ وحركات التحرّر التي ابتدأت في نهاية الخمسينيّات وبداية الستينيّات، جعلت الكثير من المسرحيّين السوريّين كمؤلّفين ومخرجين يتطلّعون لتأسيس منهج نظريّ وأدائي مختصّ بالعالم السوريّ والاستفادة من التجارب الغربيّة وتطوّراتها.

محمد الماغوط

بدأ ذلك مع سعدالله ونّوس ومحمّد الماغوط وفواز الساجر وكريكور كلش ورفيق الصبّان وشريف خزندار وممدوح عدوان، وجاء ذلك الحراك بعد الشعور المرير بالهزيمة السياسيّة والمعرفيّة التي كانت على خلفيّة هزيمة حزيران عام 1967.

وبدأت بطرح مسائل مهمّة أكثر عمقاً من فكرة الأداء العفويّ على خشبات المسارح، ونجد ذلك في العمل الذي كتبه ونّوس بمسرحيته حفلة سمر من أجل خمسة حزيران، وفي مشهد من المسرحيّة، يطرح ونّوس ذلك السؤال :
– م1: ليس وجودنا هو السؤال الجوهريّ .. بل نوعيّة هــذا الوجود (بعنف) لنعترف أنّنا المسؤولون.
نهرب .. نتخلّص من رائحة شيء كريه يفوح بيننا وحولنا.
– م2: قبل أن نلقي على أنفسنا الأحـكام، من الأهمّ أن نـعرف من نحن؟
لم تعد المسألة لدى ونّوس، كمنظّر مسرحيّ ومعرفيّ، تتجسّد بوجود خشبة مسرحيّة وتقديم الأداء، بل تعدّتها لطرح مسائل معرفيّة على الجمهور.
كان ذلك البداية وتطوّرت لدى ونّوس الصيغ بمسرحيّات من قبيل (الفيل يا ملك الزمان والملك هو الملك ورأس المملوك جابر)، وركب تلك الموجة المعرفيّة الكثير من الأشخاص المنظّرين المسرحيّين والكتّاب من أمثال الماغوط وعدوان والساجر.
لكنّ المأساة فعليّاً تجسّدت من خلال السلطة السياسيّة التي حكمت سورية في بداية السبعينيّات، التي لم تكن قادرة على منع تلك الأسماء من العمل لخلق بنية مسرحيّة حقيقيّة وتطرح أسئلة سياسيّة وفكريّة كبيرة، فاضطرّت السلطة

فواز الساجر المصدر أنترنت

السياسيّة إلى تهميش أولئك الأشخاص وفكرهم من خلال السماح بوجود فرق مسرحيّة أخرى، وتقديم الدعم لها، والذي تجسّد بالمسرح التجاريّ من أمثال مسرح دبابيس وفرقة تشرين – التي أخذت بعض نصوص الماغوط وتحوير جوهريّة الأعمال – في الثمانينيّات، والذي كانت مهمّته هي النقد التفريغيّ عن كرب المجتمع دون المساس بالسلطة العليا. فتحوّل المسرح المعرفيّ الحقيقيّ إلى مسرح محصور ضمن نخب معيّنة، ولم يستطع الوصول للجماهير الشعبيّة.
مع بداية التسعينيّات وأوساطها، استمرّ المسرح التجاريّ بالصعود، وأصبح لدى الجماهير هو المسرح الذي يعبّر عن تاريخ المسرح السوريّ، ورغم وجود أشخاص وفرق بقيت ملتزمة بفنّ المسرح ومحاولة تطوير امكانيّاتها بشكل فرديّ، إلّا أنّ ذلك كان من الصعوبة البالغة، ولم يكن يصل إلّا إلى جزء معيّن من الناس، كالمسارح الجامعيّة ومسارح الهواة ومسارح المقاهي الشعبيّة في حلب ودمشق وحمص واللاذقيّة، وبقيت تلك الفرق الصغيرة تعيش الحالة الحالمة والمثاليّة بتقديم الشيء الفنّيّ وحلم التغيير المستحيل بوجود عنصرين يحكمانها، أوّلهما، السلطة السياسيّة التي كانت تعلم أهمّيّة المسرح في توعية الناس، وثانيهما، كان انتشار المسرح التجاريّ.
إضافة إلى المعهد العالي للفنون المسرحيّة الذي تحوّل من مهمّته بأن يكون منهجاً لتطوير الفكر المسرحيّ، إلى فترة دراسة تقليديّة للانطلاق نحو الشهرة الدراميّة التلفزيونيّة.

فهل يمكن للمسرح السوريّ أن ينقذ نفسه في زمن، أصبحت المعرفة فيه لا تُشكّل سوى نوع من التفاخر الأجوفَ؟

ومع بداية الحراك الشعبيّ في سورية عام 2011، تلاشى المسرح إلى درجة الاختفاء نتيجة الظروف الكبيرة التي تمرّ بها سورية، ولم يعد هناك وجود لأيّ عمل يمكن أن يُعبّر عن سرعة الأحداث الجسيمة التي جرت. لكن هل هذا الاختفاء سيؤدّي إلى تفجير المسرح من جديد بهالة مختلفة أم أنّه انتهى نهائيّاً؟.
ضمن هذا الاستعراض السريع لتاريخ المسرح، يبقى السؤال الذي طُرح في البداية؛ هل حقّاً المسرح السوريّ في مرحلة احتضار أم هو إعادة هيكلة؟.
ضمن استعراض سريع لتطوّر المسرح في العالم، فإنّ الخروج من الحروب تؤدّي إلى تفجير الثقافة بصيغ جديدة.
فتطوّر المسرح الفرنسيّ ضمن فترتين زمنيّتين، الأولى، كانت بعد الثورة الفرنسيّة، والثانية، كانت بعد الحراك الطلّابيّ في السيتّينيّات، وبأوروبّا بعد الحرب العالمية الثانية والتي تجسّدت بأسماء من قبيل برنارد شو وبيكيت وبنتر وسارتر وكامو وبريخت، وفي أمريكا مع ميلر وويليامز، توضّح لنا أنّ الخروج من عمق الأزمة الإنسانيّة تؤدّي إلى تفجير الثورة المعرفيّة، مع انتباه مشروط أنّ تلك المراحل المسرحيّة كانت بزمن لم يكن العالم سريعاً ومحكوماً بالتفاهة الفكريّة..

إنّ هذه الأسئلة محكومة أجوبتها بالزمن وليست بالمعرفة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.