المستوى الشعبي في تناول وسائل الإعلام العربية لجائحة كوفيد 19

على المستوى الشعبي في وسائل الإعلام التقليدية، ومنصات التواصل الاجتماعي العربية، خلق الوباء سرديات مختلفة، تتراوح ما بين تلك التي تمتاز بالعنصرية، إلى الادعاء الذي يفيد بأن الوباء هو تعبير عن العقاب الإلهي المرتبط باضطهاد الأقليات المسلمة.

224
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

تغطية إعلامية لا مثيل لها

تظهر دراسة أجرتها مجلة التايمز الأمريكية أن عدد الصحف التي تناولت خبر انتشار الفيروس كان أكثر بـ23 مرةً مقارنةً بالفترة الزمنية نفسها لوباء إيبولا في 2018 وخلال الشهر الأول فقط من تفشي الفيروس، ما يعني أن تفشي فيروس كورونا (كوفيد-19) قد نال التغطية الإعلامية الأكبر من بين كل الأوبئة التي اجتاحت العالم على مرّ العصور، بما في ذلك تفشي إيبولا الأخير.

عنصرية وشائعات ومعلومات مغلوطة

مع تفشّي فيروس كورونا الجديد انطلاقاً من مدينة ووهان في إقليم هوبي بوسط الصين، راح يُسجَّل تمييز بغيض تجاه الصينيين والآسيويين عموماً في أنحاء مختلفة من المعمورة.

ويطاول ذلك الآسيويين، والصينيين خصوصاً، في دول مختلفة، انطلاقاً من معتقدات خاطئة تحمّل العرق الأصفر وعاداته وتقاليده ومطبخه مسؤولية تشكّل الفيروس الجديد.

ويُترجم ذلك أيضاً في طريقة تغطية بعض وسائل الإعلام هذه القضية، بالإضافة إلى انتشار كمّ هائل من الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي حول طبيعة كورونا الجديد وأسبابه.

المستوى الشعبي في وسائل الإعلام العربية

على المستوى الشعبي في وسائل الإعلام التقليدية، ومنصات التواصل الاجتماعي العربية، خلق الوباء سرديات مختلفة، تتراوح ما بين تلك التي تمتاز بالعنصرية، وتعزو تفشي المرض إلى عادات الأكل الصينية، إلى الاتهامات بأنه هجوم بيولوجي من قبل الولايات المتحدة لعرقلة تقدم الصين، إلى الادعاء الأكثر انتشارًا (على الرغم من المعارضة الشديدة من بعض المؤلفين المعادين للإسلام) الذي يفيد بأن الوباء هو تعبير عن العقاب الإلهي المرتبط باضطهاد الأقليات المسلمة (مع عقد مقارنات بين احتجاز ملايين الأشخاص في مقاطعة هوبى بسبب الوباء مع اعتقال مسلمين الإيغور في إقليم شينج يانج).

الأخبار الزائفة والمضللة

ارتبط مفهوم التفوق الروحي للإسلام بانتشار بعض أكثر القصص الإخبارية الزائفة اللا معقولة المتداولة حتى الآن. ومن تلك القصص مناشدة الرئيس الصيني لكلا المجتمعات الإسلامية العالمية والمحلية للدعاء للصين و”التضرع إلى الله ليرفع الكرب عنها”، فضلًا عن الادعاءات بأن السلطات الصينية تقوم بإعادة فتح المساجد للمساعدة في هذه التعبئة الروحية، وأن “أكثر من 20 مليون صيني “اعتنقوا الإسلام بعد إدراكهم بأن فيروس كورونا لا يصيب المسلمين.

كما برزت أيضا روايات ثانوية أخرى (وعلى الدرجة نفسها من الخيال)، ولكن لا علاقة لها بالصين تشمل هذه الروايات بأن قطر وراء وباء فيروس كورونا لعرقلة تنفيذ رؤية السعودية 2030، وادعاءات طائفية بأن الوباء لا يصيب الشيعة، أو أن أصول المرض روحانية في طبيعتها.

في خضم تزايد فتك الوباء المستجد كوفيد-19 بالدول والمؤسسات والأشخاص، يتسارع انتشار الإشاعات وذيوع الأخبار المغلوطة في المعلومات المتعلقة بالوباء، كالحديث عن مصدره، فما يدور حول (الخفافيش) من كونها المسبب الأول للمرض، لم تثبته بعد منظمة الصحة العالمية، أما عن شكله الكبير ووزنه الثقيل وفعاليته في البرد وموته في الحر، أكدت المنظمة خطأ هذه المعلومات،

التسابق على ابتكار وصفات سحرية للعلاج (شرب الماء باستمرار، تناول المشروبات الساخنة كالزنجبيل والكركم، الإكثار من مأكولات فيتامين سي) أوضح المختصون أن ما سبق لا يعد علاجًا مباشرًا وفعالًا ضد الفيروس، لكنها قد تلعب دورًا في تقوية مناعة الجسم.

حضور نصوص الدين

لم يكن حضور نصوص الدين ورجالاته حضورًا هامشيًا أو ثانويًا في جائحة كورونا، كيف وقد أغلقت الأخيرة أماكن التعبد، وأوقفت الشعائر الدينية الجماعية، وذلك في إطار إجراءات الدول لمكافحة الفيروس، فظهر هنا من اعتبر قرار إغلاق دور العبادة قرارًا غير شرعي.

وتوجهت التهم للفيروس على أنه سلاح في حربٍ بيولوجية تأتي ضمن مؤامرة كونية تقودها قوى الشر لضرب الدين، والعجيب أن الكل يعتبر دينه هو المستهدف!

كما شرع كثيرٌ ممن يعتلون المنابر الدينية، بتحوير الوباء وتأويله كلٌ وفق دينه أو أيدلوجيته، فهذا يستدل على إعجاز القرآن باستدلاله على كوفيد المستجد 19، بالآية في سورة المدثر “عليها تسعة عشر”، وآخر يؤكد أسبقية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في إقراره ضرورة الحجر الصحي بالحديث النبوي: “إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه”.

لقد فعل كورونا عجبًا حين وحّد المسلمين سنة وشيعة على أمرٍ ما، فها هم يرون في الجائحة، مقدمة ليوم القيامة، حيث ربط الشيخ صالح المغامسي انتشار الفيروس بحديثٍ يتضمن واحدة من علامات الساعة «خروج ريح باردة من اليمن تقبض أرواح المؤمنين»، أما رجل الدين علي رضا بناهيان أشار إلى أن الفيروس يعتبر «مقدمة لظهور إمام آخر الزمان» يقصد «المهدي المنتظر» وهي من علامات الساعة أيضًا.

الملاحظ أنه يتم تسييس جائحة فيروس كورونا وإقحامه في السرديات التي تحركها أجندات العديد من الأطراف الفاعلة المتصارعة. إن دراسة هذه الروايات تقدم نظرة ثاقبة عن الاهتمامات الاستراتيجية والأطر الأيديولوجية لتلك الأطراف.

مصدر الأمم المتحدة معهد دول الخليج في واشنطن نون بوست، ساسة بوست
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.