(المرشديون يتهمون النظام بالتخاذل في حماية سهل الغاب)

بقلم : أسعد أحمد العلي
– 31 آب 2015
لم يكن عيد “الفرح بالله”، الذي تحتفل به الطائفة المرشدية، في 25 آب/أغسطس، مناسبة سعيدة بالنسبة للكثير من المرشديين خلال العام 2015. فموجة النزوح التي شهدتها قرى المرشديين بريف حماة الشمالي، مع انطلاق معارك سهل الغاب، والقذائف العشوائية التي انهالت على قرى أخرى، بشّرت بطقوس مغايرة عما اعتادوا عليه خلال احتفالهم السنوي الذي يمتد على ثلاثة أيام.
تحتل الطائفة المرشدية، وفق احصاءات غير رسمية، أقل من 1 في المئة من نسبة سكان سوريا، ويصل عدد أتباعها لأقل من 300 ألف، يتوزعون ما بين حمص وحماة وجبال اللاذقية. ومنذ اندلاع الثورة السورية، اختار المرشديون الوقوف على الحياد، وعدم التورط بادئ الأمر في الحراك الشعبي. لكن النظام وبفعل الدعاية التي بثها، حول استهداف المعارضة للأقليات الدينية، جرّهم رويداً رويداً للوقوف إلى جانبه، والتورط في عمليات القتل و”التشبيح” المنفذة على امتداد الأراضي السورية. بقيت قرى المرشديين لفترة طويلة خارج دائرة الصراع، لكن المواجهات في سهل الغاب، رفعت مستوى استشعارهم للخطر، بعد أن انتقلت المعركة إلى أراضيهم.
ولا يسود الوئام علاقة العلويين بالمرشديين، وتعود المواجهات التاريخية بينهما إلى خمسينيات القرن الماضي، مع بدء انتشار الدعوة المرشدية بين صفوف العلويين، على يد مجيب سلمان المرشد، بعد إعدام والده سلمان مؤسس الطائفة. مجيب دعا لإلغاء هيمنة المشايخ العلويين على قرارات الطائفة. وهنا ظهر العديد من الأقاويل حول المرشدية، والتي اعتبرت وسيلة دفاع من قبل العلويين عن معتقداتهم، وطريقة للحد من انتشار دعوة المرشديين في صفوفهم. وتطورت المناوشات بين أنصار الجماعتين، لتصل في بعض الأحيان، إلى المواجهة العسكرية مع وصول حافظ الاسد إلى سدة السلطة.
يتركز وجود المرشديين في سهل الغاب ضمن عدد من القرى كالبحصة وشطحة وجورين، التي تقع في أقصى الشمال الغربي من السهل، وتعتبر قلعة النظام الحصينة في الوقت الحالي لمواجهة تمدد “جيش الفتح” في المنطقة. لكن عدداً كبيراً من المرشديين يعتبرون أن تحصينات قوات النظام فيها تهدف لحماية القرى العلوية الواقعة في جبال اللاذقية، التي ستكون تحت مرمى المعارضة المسلحة المباشر في حال سقوط جورين التي لا تبعد عن مقاتلي “جيش الفتح” إلا كيلومتراً واحداً. الأمر إن تم، سيتسبب في حالة نزوح هائلة من تلك القرى باتجاه قلب الساحل السوري. ما يعني ازدياداً للضغوط على النظام ضمن حاضنته الشعبية، وهو أمر لن يكون لصالحه في حال وقوعه، لاسيما في الوقت الذي تشهد فيه الطائفة العلوية حالة من الامتعاض، لم تصل حد التمرد، بسبب التساهل الشديد من قبل النظام في التعامل مع قضية العميد حسان الشيخ الذي قتل على يد سليمان هلال الأسد القائد السابق لمليشيا “الدفاع الوطني” في اللاذقية. تململ حواضن النظام الشعبية يعود أيضاً إلى عدم ارسال النظام مؤازرات لفك الحصار عن القوات المحاصرة ضمن مطار كويرس، الأمر الذي تُرجم باحتجاجات خجولة لم ينتج عنها شيء، رغم حذر النظام وتجنبه استخدام القمع المباشر في التعاطي معها حتى الآن.
مع بدء معارك سهل الغاب منتصف الصيف الحالي، اختار المرشديون النزوح إلى قرى أقرانهم في ريف اللاذقية الواقعة على طريق جورين-صلنفة، والتي يسيطر مقاتلو المعارضة على الجبال الشمالية منها. وانتشر تعميم من أجهزة النظام الأمنية يقضي بعدم توجه النازحين من تلك القرى إلى قلب مدينة اللاذقية، حرصاً على عدم حصول تماس مباشر بين المرشديين والعلويين، نظراً إلى حالة الغضب العارمة التي عمت مناطق تجمعهم، وخاصة في ضاحية تشرين والمشاحير وجب حسن.
وقد تطور الأمر إلى حدوث تجمعات أهلية من شباب المرشديين في 9 آب/أغسطس، أمام “بيت الرب” في حي الزراعة، وهو الاسم المتداول لمنزل إمام المرشديين الأخير ساجي المرشد، والذي توفي عام 1994 ولم يتم اختيار إمام من بعده. قرر أولئك الشباب وقتها تشكيل كتائب مقاتلة خاصة بهم، بتسليح ذاتي، ليتوجهوا إلى قرى المرشديين في سهل الغاب، ويدافعوا عنها في وجه جيش “الإرهابيين” كما يُسمّون “جيش الفتح”. تجمع المرشديين إتهم قوات النظام بالتخاذل عن القتال، والهروب من قراهم، وترك أهلها لمصيرهم. وبالفعل تم تجنيد بضع مئات من المرشديين، وتوجهوا للقتال بسهل الغاب، خارج أمرة قوات النظام بل بـ”التنسيق معها”.
موالو النظام من الطائفة العلوية، المعروفون بـ”الشبيحة” لم يتدخلوا لفض تجمع المرشديين الغاضب، بل اكتفوا بمراقبته عن بعد. وقد ساعد في ذلك، أن فواز الأسد أهم مناكف للمرشديين والكاره الأول لهم، كان قد توفي في نيسان/إبريل 2015. ومنزل فواز الأسد يقع على الطرف المقابل لـ”بيت الرب” في حي الزراعة، وكان فواز هو المحرك الأساسي لعمليات قمع للمرشديين، استمرت سنوات طويلة، ولم تنتهِ بوفاته.
النظام بدوره لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه التطورات، بل حاول افتعال بعض المعارك في ريف اللاذقية الشمالي، بالتزامن مع معارك سهل الغاب، مستهدفاً التغطية على خسائره المتتابعة فيها، واشغال قوى المعارضة المسلحة العاملة في ريف اللاذقية، عن مساندة “جيش الفتح” بسهل الغاب. بالإضافة إلى محاولة النظام التعرف على القدرة العسكرية التي بلغها المقاتلون في جبال اللاذقية. قوات النظام نجحت بالسيطرة على نقاط لا تحمل أهمية استراتيجية، لتحقيق نصر إعلامي، استغل لاستمرار ترويج فكرة الدفاع عن مناطق الموالين، وخاصة الطائفة العلوية. وذلك على الرغم من كل ما ينشر حول تخلي قوات النظام عن قرية هنا، ومدنيين هناك، ولعل آخرها ما حصل مع المرشديين في قرى سهل الغاب.
المدن _

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.