المرأة بلسان الشعراء عبر العصور الأدبيّة

المرأة ملهمة الشعراء والأدباء، وقد شغلت حيّزاً وافراً من وجدان الإنسان العربي من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، فأبدع خيال الشعراء الفني صوراً شعريّة رائعة.

الأيام السورية؛ فاطمة محمد

الشعر ديوان العرب كما جاء في كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلّام: “إنّ الشعر العربي ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه ينتصرون”.

ومن الشعر سنلقي إطلالةً على تناول الشعراء لملهمة الشعراء والإبداع ” المرأة” في العصور التاريخيّة.

المرأة في عيون شعراء الجاهليّة:

المرأة في الشعر الجاهليّ يتّخذ منها طابع التكريم والتقدير مرةً، والتبذّل والمجون تارةً أخرى، العربي لا ينظر إلى امرأته إلّا من خلال ملامح الناقة والفرسة اللتين تملأان عليه حياته وتشكيلات حواسّه، وقد كان من الطبيعي أن يصبح المقياس “الناقوي” هو المقياس الذي يقيس به الأعرابي المرأة.

فالعرب منذ الجاهلية حتى العصر الأموي، رسموا امرأة واحدة للجمال الأنثوي المثالي، فلم تختلف أوصافها عند جميع الشعراء إلا في تفاصيلٍ صغيرةٍ فيما يخصّ البدانة وعظم الردف والأوراك، فقد صوّر الشاعر الجاهلي حبيبته بدينةً سمينةً ضخمة الأوراك عظيمة العجز لتأثّره بالقيم الجاهلية، فبدانة المرأة دليلٌ على ترفها وغناها وأرستقراطيتها.

يقول نورمان بريل: ” إنّ الأعمال الفنيّة اللافتة للنظر في تماثيل ما قبل التاريخ، كانت تماثيل المرأة المصنوعة من الحجر الجيري، تمثّل امرأةً بدينةً في كلّ أعضائها لتمثّل الخصوبة أو الأمومة”.

صورة تعبيرية عن المرأة في العصر الجاهلي – الصدى نت

في ذلك فإنّ شعراء الجاهلية يحبّون المرأة البدينة الضامرة الخصر يقول النابغة الزبياني:

والبطن ذو عُكنٍ لطيف طيّه     والنحر تنفجه بثدي مقعد

(العكن: ما انطوى وتثنّى من لحم البطن سمناً، النفج: الفخر والكبرياء)

ويقول في وصف ثغر الحبيبة:

كالأقحوان غداة غبّ سمائه        جفّت أعاليه وأسفله ندي.

مخطوطة المتنين غير مفاضة   ريّا الروادف، بضة المتجرّد

(مخطوطة المتنين: الظهر ما يكتنف الصلب عن يمين وشمال من لحم وعصب، الروادف: الأعجاز أسفل الظهر، المتجرد: من قصر شعره والمتقدم على غيره).

أما عنترة بن شداد فقال:

وبطن كبطن السابريّة ليّن      أقبّ لطيف ضامر الكشح مدمج

(السابرية: الهيئة الحسنة، أقب: أدق، ما دق وضَمر، الكشح: ما بين الخاصرة والضلوع)

ويقول في وصف ثغر الحبيبة:

فوددت تقبيل السيوف لو أنّها         لمعت كبارق ثغرك المتبسم

أما امرؤ القيس فيقول:

وكسحٌ لطيفٌ كالجديل مخضر   وساق كأنبوب السقي المذلل

سباط البنان والعرانين والقنا      لِطاف الخصور في تمام وإكمال

(الكسح: أبطل حركته والمقصود هنا الساق، الجديل: الوشاح، سباط البنان: حسن القدّ والاستواء، العرانين: سادات القوم، القنا: لزوم الحياء)

ويقول امرؤ القيس في وصف ثغر الحبيبة:

بثغر كمثل الأقحوان منوّر     نقي الثنايا أشنب غير أثعل

(أشنب: أبيض، أثعل: تراكبت الأسنان فوق بعضها)

أما الأعشى القيس فيقول:

فرّاء فرعاء مصقولٌ عوارضها    تمشي الهُوينا كما يمشي الوجي الوحل

( فراء: تثير الدهشة والتحيّر، فرعاء: الطويلة الشعر، الوجي: الخائف)

المرأة في العصر الإسلامي:

جاء الإسلام ولم يتخلّ الشعراء كلية عن مبدأ المقدمات الطلليّة والغزليّة عند شعراء صدر الإسلام الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم أمثال حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم والشاعر كعب بن مالك وغيرهما وتذكر كتب السيرة قصة إسلام الشاعر كعب بن زهير بن أبي سلمى الذي أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه بسبب هجائه اللاذع للإسلام والمسلمين، ولما جاء ليعلن إسلامه أمام النبي صلى الله عليه وسلم قال قصيدته الشهيرة التي استهلها بقوله:

بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول   متيم إثرها لم يفد مكبول

ثم تطور الأمر بعد ذلك ولم تعد المرأة يستهلّ بها القصائد فحسب، بل صارت تحتلّ قصائد كاملة، وظهر شعراء لم يكتبوا شعراً إلا في المرأة؛ بل ربما لم يكتبوا إلا في امرأةٍ واحدةٍ، وصار شعرهم مقصوراً عليها، وأطلق مؤرخو الأدب على هذا اللون: ” الشعر العذري” وعلى شعرائه “الشعراء العذريين” أمثال جميل بثينة وعمر بن أبي ربيعة وكثير عزة، وتميّز هذا اللون من الشعر بتناول المرأة تناولاً معنوياً لا حسّياً.

إنّ المتتبع للشعر الإسلامي يلاحظ أنّه لم يتخلّ عن المرأة بل تخلّى عن أشكالٍ معينةٍ من التناول الشعري للمرأة، وانمحت إلى حدّ كبير الصورة الانهزامية أمام المرأة، فاختفى الشعر المرتمي في أحضانها والمفتون بها أو الهائم في سحرها والمرتجي عطفها واختفت المرأة المعشوقة التي تسيطر على الشاعر، وتسلبه عقله وتشغل تفكيره، وتستحوذ على اهتماماته وتكون محطة إبداعية بل يعلن بعض الشعراء الإسلاميين رفض هذا اللون صراحةً، يقول عبد الرحمن صالح العشماوي:

عودي فقد أغلقت بابي         وسئمت شوقي واضطرابي

أيضيع شعري في الهوى      وأنا عصامي الخطاب

قالت أتعتزل النسي             ب ولم تزل غضّ الإهاب

وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: “لا يفوتنّكم الطول والبياض؟ فهما علامتا الجمال”.

المرأة في العصر الأموي:

استمرت المرأة في كونها صدىً لروح الشاعر الأموي، حين غلغل النظر في جسدها وتمادى في التعبير عن ميله لهذا الجسد، بما فيه من إغراء وفتنة ألهبت أنينه فكشفت ظنونه، فالمرأة عند الشاعر الأموي سمينة، ضخمة العجز، ثقيلة الأرداف، ومن هؤلاء الشعراء عمر بن أبي ربيعة الذي يقول:

بيضاً حساناً فرائدا قطفاً              يمشين هونا كمشية البقر

لقد ساهم عمر بن أبي ربيعة في تجديد الصورة العامة للغزل، فقد تحوّلت المرأة في شعره إلى عاشقة تتهافت للقياه يقول في ذلك:

قالت لترب لها تحدثها    انفسدن الطواف في عمر

قومي تصدّي له ليعرفنا     ثم اغمزيه يا أخت في خفر

قالت له: قد غمزته فأبى      ثم اسبطرّت تسعى على أثري

( الترب: الصاحب، اسبطرت: أسرعت)

فنرجسيته تظهر في كونه يفخر بنفسه ويشيد بجماله ويصور إعجاب النساء به.

ومن شعراء هذا العصر ممن أبدعوا في تناول الغزل العذري أصدق تمثيل قيس بن الملوح الذي أحبّ ليلى العامريّة وأحبّته، ولمّا شبب حُجبت عنه تمشيّاً مع تقاليد البادية، فقد كانت العرب لا تزوّج الرجل فتاةً شبّب بها قبل أن يخطبها، فأصابه جنون العشق والحرمان حتى لُقّب ب “المجنون” لهيامه على وجهه؛ ينشد الأشعار، ويأنس بالوحوش، ويتغنّى بحبه العذري، يقول في ذلك:

أهيم بأقطار البلاد وعرضها      ومالي إلى ليلى الغداة طريق

كأنّ فؤادي فيه مورٍ بقادح        وفيه لهب ساطعٌ وبروق

إذا ذكرتها النفس ماتت صبابة    لها زفرة قتّالة وشهيق

برى حبّها جسمي وقلبي ومهجتي    فلم يبق إلا أعظمٌ وعروق

وأجمل بيت شعري في الغزل؛ والذي انتشر انتشاراً لا مثيل له قول جرير في عيون الحبيبة:

إنّ العيون التي في طرفها حورٌ     قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتّى لا حراك به     وهن أضعف خلق الله أركانا

المرأة في العصر الأموي – الصدى نت

 المرأة في الشعر العباسي:

ازدهرت الحياة الثقافية والفكرية في العصر العباسي غنىً، تجلّى في تمازج ثقافات متنوعة، وفي قرائح مبدعين؛ تمثّلوا وعي تلك الثقافات، وخصوصية الواقع المعيش، فجاء شعرهم ونثرهم صدىً لعصرٍ تألّق فيه الإبداع الأدبي، منهم:

أبو فراس الحمداني السجين في سجن الروم فينشد وهو بعيد عن الأحبة؛ ولكنّه مخلص الوداد والعشق، أما الحبيبة فلا تصدقه الهوى والحبّ يقول:

بنفسي من الغادين في الحي غادةٌ      وهواي لها ذنب، وبهجتها عُذر

تروغ إلى الواشين فيّ، وإنّ لي       لأذُناً بها، عن كل فاحشةٍ وقر.

وحاربت قومي في هواك، وإنّهم      وإيّاي، لولا حبّك، الماء والخمر

وفيت، وفي بعض الوفاء مذلةٌ        لآنسة في الحي شيمتها الغدر

أما الشاعر المتنبي فيقال أنّ نظرته للمرأة كانت عدائيّة، يقول القويضي في دراسته” المتنبي بعد ألفي عام، لم تمتلكه المرأة، ولم يشغله الحب” مستدلاًّ بقول المتنبي:

وتبنّى فكرة “عدائيّة المتنبي” المستشرق الفرنسي “بلاشير” يستشهد لذلك ببيتين هما:

إذا غدرت حسناء وفت بعدها       فمن عهدها أن لا يدوم لها عهد

ومن خير الغواني فالغواني        ضيائي بواطنه ظلام

أما الدكتور سامي الدهان في كتابه “الغزل منذ نشأته” يقول للمتنبي قلباً أحبّ وهو القائل:

وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه      ولكن من يبصر جفونك يعشق

ونزيد بقولنا إنّ للمتنبي قلبٌ عاشقٌ فقد قال في مدح حبيبته:

فلو كانت النساء في مثل هذي       لفضّلت النساء على الرجال

وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ       ولا التذكير فخرٌ للهلال

وقال في أعرابية أحبّها:

هام الفؤاد بأعرابيّة سكنت      بيتاً من القلب لم تمدد له طنبا

مظلومة القدّ في تشبيهه غصناً      مظلومة الريق في تشبيهه ضرباً

ولأبي نواس نظرة في جمال المرأة يقول:

تمّت وتمّ الحسن في وجهها          فكلّ شيء ما خلاها محال

للنّاس في الشهر هلالٌ               ولي من وجهها كل صباح هلال

المرأة في العصر العباسي-المصدر: المرأة العلمانية

المرأة في العصر الحديث:

اختلفت صورة المرأة في الشعر العربي الحديث عنه قديماً، واشتدّ هاجس الرفض للقيود المفروضة من المجتمع قديماً، في القرن العشرين عصر الحضارة لا البداوة فيه تزخر المدن بمظاهر التّرف والعمران، فانعكس كل هذا على الشعر، وتغيّر تناول الشعراء لصورة المرأة بوصفها جسداً بلا روح ومنهم: بدر شاكر السيّاب في قصيدته “حفّار القبور” الذي يرمز إلى المرأة بكل معاني الانطفاء والإفلاس؛ إذ استحالت المرأة إلى ضحيّة بامتياز بعد أن فقدت بريقها الوضّاء وأنوثتها:

تلك الجلود الشاحبات وذلك النجم النثير

حتّى الشفاه يمصّ من دمها الثرى حتى النّهود

تذوي وتقطر في ارتخاء من مراصفها المغير

واهاً لهاتيك النواهد والمآقي والشفاه

واهاً لأجساد الحسان أيأكل الليل الرهيب

والدود منها ما تمناه الهوى؟ واخيبتاه

هل كان عدلاً أن أحن إلى السراب ولا أنال.

ومن أجمل قول السياب في تجسيد صورة المرأة الجميلة كما في قصيدته الشهيرة “أنشودة المطر”

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

والكثير من الشعراء صوّر المرأة على أنّها أسطورة يقدّمها كما يحلم بها، فعند الشاعر البياتي كانت صورة عائشة هنا أو امرأة أسطوريّة؛ وهي رمز الحب الأزلي الواحد الذي ينبعث، فيضيء ما لا يتناهى من صور الوجود، وهي الذات الواحدة التي تظهر فيما لا يتناهى من التعينات في كل آن، وهي باقية على الدوام على ما هي عليه.

ماذا عن شاعر المرأة نزار قباني؟

عبّر الشاعر نزار قباني عن قمة الفحولة والأبوية تجاه المرأة في القصيدة العربية الحديثة، مانحاً بذلك للذات المذكّرة سلطاناً على الأشياء وعلى المرأة بعد أن أرفقها بحسّ تهييجيّ صارخٍ اختزل المرأة عند حدود جغرافيا الجسد، أقام نزار عليه جمهوريته الشعرية يقول:

لم أزل من ألف عام

أحمل الأنثى على ظهري

وأرسيها على برّ السلام

كنتِ يا سيدتي خرساء قبلي

وبفضلي:

صار نهداك يجيدان الكلام

وبدوني لن تري في كتب التاريخ

عفراء وليلى

أوتري هندا ودعدا

وبدوني لم يكن ثغرك مرسوماً كخطّ الاستواء

ليس لك أبعاداً واضحةً

خارج امتداد ذراعي

أنا أبعادك كلّها

يؤكد نزار قباني حبّه لبنات حواء في قوله:

ومن عادتي أن أمارس عشقي حتى الجنون

واقترف الشعر حتى الجنون

فإنّ الكتابة عندي امرأة

وإنّ القصيدة عندي امرأة

فلا تدهشي أن تركت كتابي

لأقرأ ما في كتاب العيون

فإما أكون شبيهاً بشعري، أولا أكون

والكثير من الشعراء يجدون في المرأة وطنهم وعشقهم فيقول في ذلك نزار قباني:

ألاحظت؟

كيف تحرّرتُ من عقدة الذنب؟

كيف أعادت لي الحرب

كل ملامح وجهي القديمة؟

أحبّك في زمن النصر

إنّ الهوى لا يعيش طويلاً بظلّ الهزيمة.

كذلك محمود درويش فقد أحبّ المرأة وعدّها وطنه فقال:

ما الذي يجعل القلب مثل القذيفة؟…

على حزن المصفّد حين يرى أخته…أمّه…حبّه

لعبةً بين الجنود

وبين سماسرة الخطب الحامية

فيعضّ القيود ويأتي إلى الموت

يأتي إلى ظلّ عينيك…يأتي…

من كل ما سبق نصل إلى أنّ المرأة رمز الخصوبة والحياة والتجدد باختلاف تناول الشعراء لها؛ سواء أصابوا أو تعثروا، نقول: إنّهم تمكّنوا من رسم صورٍ فنيّةٍ مبدعةٍ ناطقةٍ للمرأة بمختلف العصور، ونجزم القول: إنّ المرأة وطنٌ نسكنه ونلجأ إليه فيمنحنا هياماً وعشقاً يسري في جسدنا دفئاً يغنينا من برودة وجدان عالم ميت؛ فعشقناها أمنا ووطننا وانتماءنا الأزلي.

 

الكتب التي تم الاستعانة بها:

1-ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء.

2- عمار عكاش، صورة المرأة في الشعر العربي المعاصر.

3-ليال فردان النويس.

4-الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر.

5- الديوان للبياتي، دار العودة، بيروت.

 

مصدر موقع هي الحوار المتمدن الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.