المرأة السوريّة في الثورة.. مشاركة فاعلة وحاضر أسود ومستقبل غامض

هل ساهمت الثورة باكتشاف المرأة لقدراتها؟ وهل يمكن أن نعلّق الآمال على وعي المرأة الجديد، الذي تشكّل خلال الحراك الثوري؟ وهل ستستفيد من هذا الوعي لاحقاً من خلال العمل المنظّم؟

الأيام السورية؛ بقلم: كفاح زعتري

كان للمرأة السوريّة دور فاعل مع بداية الحراك الثوريّ، حيث شاركت بالاعتصامات أمام السفارة التونسيّة والمصريّة والليبيّة في بداية عام 2011، كما شاركت بمظاهرة الحريقة بتاريخ 15 اذار/ مارس 2011. حتى أن أوّل من أطلق شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” كانت السيّدة نائلة الأطرش بتاريخ 12 نيسان/ أبريل 2011.

مجالات عمل المرأة خلال الثورة

عملت المرأة في المجال الإغاثيّ والطبّيّ، ونقل المواد الطبّيّة لمناطق التوتّر، وبجمع التبرّعات وإيصالها لعائلات المعتقلين، كما شاركت بكتابة اللافتات وتنظيم المظاهرات، وساهمت بتهريب الناشطين الشباب حيث كان الوضع الأمنيّ للنساء أفضل نسبيّاً من وضع الشباب ويتمتّعن بقدر أوسع من حرّيّة التنقّل، كذلك لا يمكن إغفال دورهنّ بمجال حقوق الإنسان من خلال الدفاع عن المعتقلين وتوثيق حالات الاختفاء القسريّ والتعذيب.

الثورة السوريّة التي قامت ضدّ الظلم والقمع، ضدّ نظام فاسد، لم تصل إلى مستوى ثورة لأجل حقوق الإنسان والمواطن ولأجل حقوق المرأة التي هي جزء لا يتجزّأ من حقوق الإنسان ومن عمليّة بناء الوطن.

تنقّلت النساء بين مختلف المناطق لتقديم مساعدات طبّيّة تارة وإغاثيّة تارة أخرى وللتنسيق للمظاهرات ثالثة، وأعمال ومبادرات كثيرة لا يمكن حصرها، عملت في المناطق الريفيّة والمناطق الأكثر فقراً والمحافِظة، محقِّقة حضوراً طيّباً وقبولاً اجتماعيّاً، دون النظر لانتمائها أو الزيّ الذي تلبس أو عمرها، كانت في أوج نشاطها.

المرأة تحدّت تغوّل الأجهزة الأمنيّة

إنّ النظام السوريّ القائم على تغوّل الأجهزة الأمنيّة، والبطش وتكميم الأفواه ومصادرة الحرّيّات جعل المواطن السوريّ الذكر قبل الأنثى لا يجرؤ على مجرّد التفكير بالحرّيّة؛ إلّا أنّ الثورة وفّرت مساحة من الحرّيّة مكّنت المرأة من إطلاق صوتها الرافض للنظام وللقيم الدونيّة التي كرّسها خلال أكثر من أربعين عاماً، استطاعت التعبير عن مطالبها بالحرّيّة والكرامة والمواطنة، كما شاركت النساء من مختلف المرجعيّات الفكريّة والدينيّة والإثنيّة، وعانت كالرجل من الاعتقال والتعذيب والإهانة والاغتصاب، وإنّ كانت الثورة قد أعطت المرأة مساحة من الحرّيّة، فإنّ المرأة أعطت الثورة وجهاً مشرقاً مدنيّاً.

مساحة الحرّيّة التي توفّرت خلال عاميّ 1011 و2012، ما لبثت أن تضاءلت مع ازدياد وحشية النظام وازدياد العمليّات العسكريّة، ومشاركة تنظيمات متشدّدة بتلك العمليّات وما رافق ذلك من فرض توجّهاتهم بمنطق القوّة ومنطق صاحب الفضل بالنصر وصاحب الحقّ بفرض سلطته على المناطق المحرّرة.

تحجيم دور المرأة

تمّ تحجيم دور المرأة وممارسة التضييق عليها بالحركة والتنقّل، والتدخّل بشكل ملابسها، كان ذلك بالتوازي مع تهميشها من قبل الناشطين واستبعادها من كلّ الفعّاليّات المدنيّة بحجّة “الظرف الخاصّ، والخطر المحدق”.

لم تستسلم المرأة، حتّى لضغوط الدولة الإسلاميّة، فقاومت النساء في مدينة الرقّة سلطة الدولة ونظّمن العديد من الحملات، إلّا أنّهن تعرّضن لضغوط من عدّة جوانب منها: الحاجة الاقتصاديّة وسلبيّة الناشطين الذكور تجاه مبادرات الناشطات، والأكثر إيلاماً كان تعرّضهنّ للخطف والضرب من مجموعات نسائيّة بايعن (الدولة) ورضين بممارست دور الجلاد بحقّ الناشطات، ممّا أدّى إلى نزوح أولاء النساء والتخلّي عن دورهن.

إنّ صمت الناشطين والكتائب المعتدلة وقوى المعارضة عن التضييق بحقّ النساء وتهميشهنّ، بل تبنّى ذات مواقف الجهات المتشدّدة بحجّة “الظرف الموضوعيّ” وحالة الحرب، سمح لتلك الفئات بالتمادي تجاه النساء، إلى أن تلاشى دورهنّ، وباتت المرأة في المناطق الخارجة عن سلطة النظام بين مطرقة التطرّف وسندان عقليّة ذكوريّة وجدت ظرفاً مواتياً لممارسة تسلّطها، وبين الاثنين حاجة اقتصاديّة وفاقة بسبب ظرف النزوح وفقدان العمل.

فدوى سليمان ومي سكاف (الأيام السورية)

النزوح والتشرّد

تضرّرت المرأة أشدّ الضرر، اضطرت بداية إلى النزوح من بيتها، وفقدانها لعملها بعد الالتجاء للمناطق المحرّرة هرباً من بطش النظام، لتجد مصيراً لا يقلّ قسوة عن وضعها السابق، لتتابع رحلة النزوح بحثاً عن ملاذ آمن ومورد يجنّبها الفاقة.

المرأة خسرت، لأنّ المعارضة السياسيّة كانت غير قادرة على فرض وجودها، ولم تستطع تحقيق النصر، وتعاملت مع قضية المرأة كقضية من الدرجة الثانية.

لقد ساهم الناشطون بتردّي وضع المرأة عندما تبنّوا آراء دخيلة على مجتمعنا وساهموا بتسويقها متجاوزين أهداف الثورة الأولى، ومتجاهلين شريكتهم بالوطن تحت حجج وذرائع واهية ترضي المموّلين ومراكز القوّة وذكوريّتهم التي وجدت مساحة للتعبير عن التفوّق.

وعي المرأة الجديد

إنّ الثورة السوريّة التي قامت ضدّ الظلم والقمع، ضدّ نظام فاسد، لم تصل إلى مستوى ثورة لأجل حقوق الإنسان والمواطن ولأجل حقوق المرأة التي هي جزء لا يتجزّأ من حقوق الإنسان ومن عمليّة بناء الوطن؛ لم تتبنّ صوت السلاح الذي أصبح الأعلى والوحيد في سورية، بالإضافة إلى تشرذم المعارضة السوريّة وضعفها.

المرأة خسرت، لأنّ المعارضة السياسيّة كانت غير قادرة على فرض وجودها، ولم تستطع تحقيق النصر، وتعاملت مع قضية المرأة كقضية من الدرجة الثانية. ولكنّي في الوقت نفسه أعلق آمالاً كبيرة على وعي المرأة الجديد، الذي تشكّل خلال الحراك الثوري، واكتشافها لقدراتها، وستستفيد المرأة من هذا الوعي لاحقاً من خلال العمل المنظّم “التشكيلات المدنيّة والسياسيّة بمختلف توجّهاتها موضوع حقوق المرأة كشرط أساسيّ للتغيير”.

اعتبرت قوى المعارضة، الحديث عن قضية المرأة ضرباً من الترف بوقت لا يتّسع فيه المجال للترف، وما يقال عن حقوق المرأة يقال عن القيم والشعارات التي تبنّتها الثورة السوريّة منذ انطلاقتها “الحرّيّة، الكرامة، العدالة، المساواة، المواطنة، دولة القانون”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.