المرأة الريفية: دعامة في التنمية الأسرية والمجتمعية

(فلاحة في الحقل، أمّاً حنون، أم زوجة مثالية)

الأيام السورية - ميرنا الحسن

فرض المجتمع الريفي على المرأة السورية تحمّل مسؤوليات وأعمال كثيرة في المنزل وخارجه كفلاحة ترعى أراضيها الزراعية. تحملت نساء ريف محافظة إدلب شمالي سوريا عبئاً كبيراً في رعاية أسرهنّ حيث كان عليهنّ الاعتناء أراضيهنّ الزراعية التي تحتل قرابة 60% من مساحة المنطقة. غير أنّ هذا جعل الأسر السورية أقلّ تأثراً من اسر مدينة إدلب بالتقلبات الاقتصادية التي شهدتها الحرب.

حول ذلك حاورت جريدة الأيام عددًا من نساء ريف إدلب الجنوبي تحدثن خلالها عن ممارسة أعمالهن كما كانت قبل الثورة السورية بغض النظر عن تغيّر بعض الأمور الجزئية.

عمل متعب لكنه ممتع

“ساعات عملي خارج منزلي في أرضي الزراعية تفوق ما يقابلها داخله، وصحيح هي متعبة لكنها ممتعة ولا أقدر على إقصائها من جدول أعمالي اليومي” كلمات اختصرت بها //وفاء، 43 عامًا// عملها الزراعي والمنزلي داخل قريتها الصغيرة.

وأضافت، أستيقظ من صلاة الفجر أتوجه لحقلي وأقوم بزراعة بعض المحاصيل بحسب فترة زراعتها خاصة أن مجمل أراضي منطقتنا تعتمد في سقايتها على مياه الأمطار. أعشّب أيضاً النباتات الضارة وأقلّب التربة بالمجرفة، ومع نهاية شهر نيسان قمت بحصاد (العدس) يدويًا دون مساعدة من زوجي أو أطفالي الخمسة.

وعن بعض التبدلات التي أصابت عمل “وفاء” أردفت أن تحضيرها لخبز التنور فقط قلّ عما سبق فبعد أن كانت كل أسبوع تخبز مرة واحدة أرغفة كثيرة لا تكلفها أكثر من 200 ل.س باتت لا تحضره إلا عند الحاجة أو الشهوة إثر ارتفاع سعر الطحين عقب جلبه من المحال التجارية وليس من الحنطة التي كانت تحصل عليها من أراضيها الزراعية.

الجميع يعلم أن عمل المرأة الريفية لا يقتصر على الفِلاحة وتحضير خبز التنور إنما يتعداه إلى صناعة الأجبان والألبان وهذا ما أوضحته “أم محمد” 44 عامًا.

تستيقظ أم محمد يومياً في السادسة صباحًا؛ تطعم بقرتها العلف والتبن وتنظف المكان من روثها لتحلبها وتصفي حليبها الذي يتراوح وزنه بين 15-17 كغ، ثم تُسخّنه قليلًا وتضع له (درور الجبنة) وتغطيه 3 ساعات لتصفي المصل من خلال كيس خام وتضعه على شاش وتضغطه عقب ذلك لمدة تقارب الـ 20 دقيقة ثمّ تقطعه وتضيف اليه الملح ويصبح جاهزاً للاتهلاك الشخصي أو البيع بسعريفوق 1000 ل.س. لكل 3 قطع (تساوي كيلوغراماً واحداً) بعدما كان سعر أفضل أنواعها قبل الثورة لا يتعدى 500 ل.س.

خبز التنور – تصوير: ميرنا الحسن

تغيرات بسيطة فرضتها الأزمة الاقتصادية

نورا /30/ عامًا أم لثلاثة أطفال صغار تحدثت بأن لا شيء تغير عليها بعد الأحداث بل أنها أضافت عملًا جديدًا يقتصر على بيع بعض الحاجيات والبيض البلدي داخل غرفة من منزلها لتغطية مصاربف الأسرة إثر تدني دخلهم المادي إثر عدم توفر عمل لزوجها. إلى جانب ذلك ترعى نورا بعض الأغنام والماعز لتؤمن لعائلتها الحليب واللبن والجبنة، فضلًا عن عملها بالزراعة في أرضها وأراضي أقاربها في مواسم الحصاد وتحضير خبز (الصاج) بما يعادل 30 رغيفًا في معظم الأيام.

لكن ظروف الحرب التي لم أثّرت على عمل نساء الريف بشكل ملحوظ قابلها تطوراً إيجابياً لأدوارهنّ صاحبها أمل بتحسين إنتاجهن، فنشطن إقتصاديًا ولم يعد مردود عملهن يفتصر على أسرهنّ بل تعداه ليعزّز اقتصاد قراهن.

فقد تحدثت “سهام” 50 عامًا، عن كيفية قيامها بصناعة المؤن بشتى أنواعها حسب أوقاتها وبيعها لأبناء القرية، ناهيك عن قيامها ببعض الصناعات اليدوية التراثية من قش وفخاريات يقتنيها مُحبّوها.

تربية الدواجن – تصوير: ميرنا الحسن

تبادل المنفعة والمحبة

إلا أن الحرب السورية خلطت الأمور وجعلت نساء المدن بصف واحد مع نساء الريف في مجال الأعمال وهنّ بقمة سعادتهن لهذا الاندماج الذي أضفى تناغمًا حقيقيًا أزال أفكارا شائعة كامنة عن المناطقية.

“صفاء” 45 عامًا، تقول: “انتقلت للعيش في قرية زوجي مع بداية الثورة، وسرعان ما كوّنت صداقات اجتماعية مع الجيران أحسد عليها وهذه المرة حصدت ليس فقط بضعًا من خيراتهنّ بل محبة قلوبهم. لقد علموني وعلمتهم أشياء كثيرة، وأنشأت حديقة صغيرة (حاكورة) أمام منزلي وزرعت فيها ثماراً وأزهاراً، هذا غير مشاركتي مع زوجي في تنظيف أرضنا جزئياً”.

مما لا شك فيه أن المرأة السورية أينما حلت أظهرت تميزها ووازنت بين أدوارها الإنجابية والإنتاجية والاجتماعية ورسمت لوحة متكاملة العناصر أتقنتها بصبرها وتحملها ومسايرتها لأبشع المواقف.

التنور – تصوير: ميرنا الحسن
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.