المرأة الحيزبون، الثرثارة، ذات الكيد العظيم في مرايا ياسر العظمة

يقدم ياسر العظمة صورة للمرأة مغرقة في النمطية، إنها الثرثارة، الحيزبون، النقاقة، وصاحبة الكيد العظيم، ولا يوجد مثلاً نقد للعنف تجاه المرأة المنتشر بشدة في مجتمعنا.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

قرابة ٤ عقود من الزمن مضت على انطلاق سلسلة مرايا بتسمياتها المختلفة، ودون شك حظي المسلسل بشهرة ومتابعة استثنائية وبات العمل شيئاً من كلاسيكيات الكوميديا في العالم العربي، تميز المسلسل في بداياته بأسلوبه المختلف عما كان سائداً خصوصاً أن الموجود عملياً كان الدراما المصرية فقط، وتميّز بتنوع القضايا الاجتماعية التي يطرحها، فأسلوب اللوحات المختلفة أتاح طرح أمور ومواقف حياتيّة كثيرة، إضافة إلى أنه اعتمد على مصادر متنوعة من الأدب العالمي والتراث القصصي المحلي، مع أنني أرى شخصياً أنه وقع سريعاً في فخ الاستسهال والتكرار والإطالة، فحين لا يشعر الفنان بمنافسة فيما يقدمه وبقبول جماهيري ربما سيقع في هذا الفخ بسهولة.

منذ فترة وأنا أنوي الكتابة عن طريقة تناول ياسر العظمة للمرأة السورية في مراياه، فالمسلسل حظي بعدد مشاهدين من جميع الفئات العمرية لعدة عقود، مما يعني أنه قد يسهم ضمن جملة عوامل كثيرة أخرى في تعزيز اتجاهات وقيم ثقافية محددة، ونماذج المرأة المقدمة فيه قد تسهم في تعزيز تصورات محددة ونقد أخرى، وأرغب أن أسجل تحفظاً كبيراً على العمل في طريقة تناوله للمرأة من موقع اللازمة التي يكررها معظم من يكتب عن مرايا وهي أنه مسلسل ناقد توعوي.

ينقد ياسر العظمة الكثير من العادات الاجتماعية السيئة كرمي القمامة واقتلاع الأشجار والرجال الذين يمكن أن يتعاركوا بسبب لعبة ورق وما إلى ذلك من أمور، وأكثر ما اشتهر به هو تقديمه سطوة أجهزة المخابرات على الناس والفساد في كل مؤسسات الدولة.

ينقد ياسر العظمة الكثير من العادات الاجتماعية السيئة كرمي القمامة واقتلاع الأشجار والرجال الذين يمكن أن يتعاركوا بسبب لعبة ورق وما إلى ذلك من أمور، وأكثر ما اشتهر به هو تقديمه سطوة أجهزة المخابرات على الناس والفساد في كل مؤسسات الدولة.

لكن إن انتقلنا إلى المرأة، فهو يقدم صورة مغرقة في النمطية، إنها الثرثارة، الحيزبون، النقاقة، وصاحبة الكيد العظيم، لا يوجد مثلاً نقد للعنف تجاه المرأة المنتشر بشدة في مجتمعنا. حين جربت أن أبحث عن بعض العناوين التي يختارها من يشاركون لوحاتٍ من أعمال ياسر العظمة على اليوتيوب وجدت عناويناً من قبيل: “الزوجة النقاقة مفكرة حالها ذكية وبتقدر تمشي زوجها على كيفها بس بالأخير أكلت خازوق مرتب ـ راح وترك مرتو مع رفيقو بالبيت، شوفو كيف الزوجة استغلت غياب زوجها – مطلقة وأرملة وحردانة في فيديو واحد – لما الزوجة بتغار من السكرتيرة وبتخوزق زوجها – يكره النسوان، شوفو شو عملت فيه زوجة رفيقو بغياب زوجها – متجوز وحدة تانية و مرتو الأولانية طلعتلو عينو – الكنة والحماية ما بحبو بعض معقول تتخلص من حماتها بهالطريقة “.

هذا الأمر يعبر طبعاً عن أثر المحتوى الذي يقدمه وطريقة استقبال الناس له، وهو ما أقصده بتعزيز اتجاهات وقيم ثقافية محددة تجاه المرأة.

وإن جربنا أن نعرض بعض الأمثلة عن النساء في مرايا ياسر العظمة تتكرر نماذج النساء اللاتي تلجأن إلى النفخ والعمليات التجميلية وغالباً ما يُعرَض الموضوع كسخرية ناقدة من النساء اللاتي تلاحقن هذه الأمور، دون إشارة إلى مجمل ظروفهن والطرائق التربوية ومؤثرات المجتمع والإعلام وطريقة التعامل مع جسد المرأة منذ طفولتها.

أذكر حلقة عرض فيها المسلسل مكتباً يقوم بنشر إعلانات من أجل الزواج، وحينها يلتقي ياسر العظمة بالمدموزيل فاتن (وتقوم بدورها هالة حسني) التي سمّت نفسها في إعلان الزواج إعصار ميتش، فتكون دميمة الشكل، ولديها مشكلة في لفظ الحروف، وتبدأ السخرية منها منذ لحظة طلبها للإكسبريس (الاسبريسو)، هنا لا اعرف ما المقصود هل الاسبريسو منتج رفيع المستوى لا يحق لمن لا يتمتعون بالجمال شربه! ثم نقضي بعد ذلك بضعة دقائق يصف فيها ياسر العظمة لصديقه شكلها ويتفنن في تحقيرها بغرض إضحاكنا، أي نوع من النقد الاجتماعي يقدمه ياسر العظمة هنا؟ أليس من الأولى لمن يقوم بنقد العادات الاجتماعية أن يقدم شيئاً ينقد التنمّر على أشكال الناس بدل أن يمارسه كنكتة مقززة؟. بعد وصف دمامة السيدة، يتكرم عليها ويقبل الزواج منها فيما يسميه تضحية، لكنها لا تقبل به، ويكون المغزى أنها يجب أن تقبل بأي شخص يرضى بها لأنها دميمة وقبيحة كما يبدو في الجملة الختامية للوحة : ”رضينا بالبين والبين مارضي فينا“.

تتكرر على طول المرايا قضايا الرجال الذين يتزوجون بنساء أخريات إما الجارة أو الضيفة الأصغر سناً، لا نجد أي خلاصة تدين العملية ذاتها وهو أمر ممكن فنياً، بل يتم عرض الموضوع كشيء طبيعي بقالب كوميدي شعبوي يشير إلى أن طبيعة الرجال أنهم يحبون التنوع، وتكون الزوجة الأولى في معركة للحفاظ على زوجها. ثم ننتقل إلى اللوحات الناقدة للعلاقات الزوجية: من النادر أن نجد إيحاءً بأن هناك سلوك خاطئاً وتقويماً لمفهوم حقوق الزوجة السائد اجتماعياً، يعرض ياسر العظمة مراراً وتكراراً كيد النساء وكيف تستطعن بالحيلة أن تعاقبن أزواجهن، كما ورد في حلقة عن الرجل البخيل الذي يحب زوجته ( مها المصري) ولكنه يبخل عليها بالمال فتتمارض زوجته وتجعله ينفق أموالاً طائلة عليها لاكتشاف سبب مرضها ثم يتوب عن بخله مدركاً أن كيدهن عظيم.

لنجرب أن نعدّ المشاهد التي يظهر فيها ياسر العظمة بدور الزوج متحدثاً عن موضوع ما مع زوجته، ثم تكثر زوجته الحديث والنقد، فيعلق بغضب : ”ولك حاج تنقي بأى“ ” أو اسكتي بأى ”، وتبدو الزوجة ثرثارة، نقاقة غير عقلانية.

وإن خرج عن هذا الإطار نجد المرأة النصّابة التي تبدو راقية لكنها محتالة وهو الإطار الوحيد الذي يوجد فيه مساواة جندرية إذْ يعرض نصابين من الجانبين، لكن مع ملاحظة أن معظم القصص التي يعرضها هنا غير واقعية وهي للتسلية فقط ولا علاقة لها بنقد واقع اجتماعي كما تقول اللازمة التي ترافق كل من يتحدث عنه.

المحصلة التي نحصل عليها من متابعة مرايا أن النساء بطبيعتهن ثرثارات غير عقلانيات، تلهثن وراء عمليات التجميل والاهتمام بالشكل، والدميمات منهن قد لا تعرفن حقيقة مستواهن فلا تقبلن بمن يرضون بالارتباط بهن، ويبدو موضوع تعدد الزوجات أمراً طبيعياً بحكم ميول الرجال نحو التنوع الجنسي.

المحصلة التي نحصل عليها من متابعة مرايا أن النساء بطبيعتهن ثرثارات غير عقلانيات، تلهثن وراء عمليات التجميل والاهتمام بالشكل، والدميمات منهن قد لا تعرفن حقيقة مستواهن فلا تقبلن بمن يرضون بالارتباط بهن، ويبدو موضوع تعدد الزوجات أمراً طبيعياً بحكم ميول الرجال نحو التنوع الجنسي، وقبول النساء بالرجال المتزوجين، وهنّ إن أردن إجبار أزواجهن على القيام بشيء ما تلجأن إلى الحيلة والكيد والدهاء.

لا توجد نماذج عن نساء مستقلات ولا نطالب هنا ياسر العظمة أن يخلق نماذج خيالية، هذه النماذج موجودة في المجتمع السوري، ولكنه لا يراها لأسباب أعتقد أنها تتعلق بعقليته ونمطية تفكيره. وطالما أنه ينقد واقعاً اجتماعياً لماذا لا ينقد العادات والتقاليد التي تظلم المرأة، وجرائم الشرف، والتمييز على أساس الجنس، لو امتلك ياسر العظمة عقلية غير تقليدية لما عجز عن تقديم نماذج إيجابية مستقلة عن النساء مما سمع وقرأ وشاهد، لكنه انتقى أسوأ ما هو موجود في الوعي الشعبي، وزاد عليه وثبته، لأنه يوافق عقليته.

مشهد من المسلسل (يوتيوب)

عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالجندر والدراسات الثقافية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.