المحور الإيراني بين الإحباط وانتظار المعجزة

بقلم: حسن فحص

هل صارت الغلبة في إيران لتيار الانحناء أمام العاصفة؟ وماهي الآفاق السياسية لمحور المقاومة والممانعة بعد أن هدأت معارك الثأر، وازدادت محاولات الدعوة إلى التهدئة من مختلف الأطراف ؛ لمعرفة الأجوبة والاحتمالات؛ نقرأ معًا ما كتبه الصحفي حسن فحص.

إذا صح ما يتم تناقله من أخبار، أن الضربة الإيرانية على القواعد الأميركية في العراق، وتحديداً قاعدَتْيْ عين الأسد في الأنبار وقاعدة أربيل في إقليم كردستان، لم تسفر عن خسائر بشرية في صفوف القوات الأميركية، مقتصرةً على أضرار مادية، يعني ذلك أن الضربة الانتقامية والشعار الذي سيطر على الشارع والإعلام والمواقف الرسمية والشعبية في إيران عن الانتقام القاسي قد تقود إلى واحد من التفسيرات:

إمّا أن تكون عملية فاشلة في المعايير العسكرية والانتقامية، لأن الهدف من هذا التصعيد ورفع مستوى التهديد الإيراني بالثأر لمقتل اللواء قاسم سليماني، لم يكن بحجم الخسارة التي وضعها النظام في مصاف الخسارة القومية، إضافةً إلى المذهبية.

وهذا يعني أن النظام، وعلى الرغم من المنحة التي جاءته على طبق من دماء قدمتها له الإدارة الأميركية بقرار اغتيال سليماني، لم يستطع من خلال هذه العملية العسكرية إقناع المراقبين والجماعات المعترضة الداخلية بتحويل المشهد الذي ظهر في بعض المدن الإيرانية لتشييع جثمان قاسم سليماني، الى رصد جديد في حساباته، واستفتاء متجدد على شعبيته وشرعيته، كما يفعل دائما في أي مناسبة انتخابية، تساعده على استغلال الفرصة السانحة بتوظيفها لتجاوز الأزمات والتحديات التي انفجرت خلال السنوات الماضية منها تلك التي عمّت البلاد بعد قرار رفع أسعار الوقود وما رافقها من عمليات قمع شديد وغير مسبوق، للاحتجاجات الأخيرة 2019، والسابقة التي وقعت أواخر عام 2017 وبداية 2018، أي الأهواز ومشهد.

وكانت الأهواز قد شهدت أعنف مواجهات ذات طابع عسكري ودموي مع المنتفضين “العرب” تحديدا على خلفيات معقدة ومتراكمة، أدت إلى سقوط أكثر من 40 قتيلاً حسب الإحصاءات الأولية، بينما شكلت احتجاجات مشهد الشرارة التي انطلقت منها موجة الاعتراضات والتظاهرات على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تسببت بانهيار مؤسسات مالية واقتصادية طالت آثارها شريحة واسعة من الطبقة الوسطى، وعمّت أكثر من 100 مدينة وناحية في ايران آنذاك.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النظام حاول من خلال الإصرار على تشييع جثمان سليماني في هذه المدن، خصوصاً الأهواز، إيصال رسالة إلى الداخل الإيراني والخارج بأن النظام ما زال يتمتع بالتأييد الشعبي الواسع، تحديداً في المناطق التي يراهن عليها “العدو” الأميركي لزعزعته على طريق إسقاطه. في حين غاب التشييع عن محافظات ذات أقليات عرقية أخرى، مثل سيستان وبلوشستان وأذربيجان، خوفاً من انفلات الأمور باتجاهات لا يرغب فيها وعدم قدرته ربما على ضبط التظاهرات التي قد تخرج بهذا التشييع في حال حصوله.

وإمّا أن تكون عملية الرد هذه مدروسة، وسبقها اتفاق وتفاهم ضمني مع الإدارة الأميركية على حصولها بهدف تنفيس حالة الشحن الشعبي والعاطفي والقومي الذي مارسته قيادات النظام منذ الإعلان عن اغتيال سليماني فجر يوم الجمعة في 3 يناير (كانون الثاني) 2020، عندما رفعت سقف التوقعات الشعبية والإقليمية الى مستويات تفوق قدراتها من خلال إصرارها على الرد القاسي والمؤلم، وما فيه من مخاطر قد تؤدي إلى نتائج سلبية، ما خلق حالة من الإحباط، خصوصاً أن التجييش الذي حصل ورفع سليماني إلى مستوى الأسطورة القومية ووضعه في مصاف “رستم”، البطل التاريخي في التراث الفارسي، ما يعني ان المواجهة مع واشنطن تتطلب رداً بحجم هذا “الرمز”، فضلاً عن أنّ رفع مستوى التهديد الذي اعتمدته القيادات الإيرانية بمختلف مستوياتها، خلق حالة من “الحماس” لدى الفصائل المتحالفة والتابعة لمحور الممانعة في المنطقة، وامكانية حصول المواجهة المنتظرة بين الخصمين، وما فيها من تغيير للمعادلات القائمة لصالح فرض المحور الإيراني كطرف مسيطر ومقرر في المنطقة على حساب كل اللاعبين الإقليميين المتحالفين مع واشنطن.

وإذا ما رضيت إيران بتوجيه رسالة لواشنطن، بحسب تفسير بعض المسؤولين الأميركيين لحجم ضربتها التي جاءت ما دون الدخول في دائرة الخطر والتهديد، وأنها أوكلت مهمة التصدي لوجود واشنطن في العراق والمنطقة إلى الفصائل الموالية لها كالعراقية وغيرها.

واستخدمت هذه الضربة لتمرير قبولها بالذهاب إلى طاولة المفاوضات تشمل سلّة من الملفات، بما فيها ملفي النووي والوجود الأميركي في العراق وسوريا، كما أشار وزير الخارجية محمد جواد ظريف بعد انتهاء العملية العسكرية الصاروخية، ومسارعته للتأكيد على ضرورة الانتقال إلى المرحلة التالية التفاوضية، فإن الانعكاسات السلبية لهذا المسار الذي قد تتّبعه طهران في التعامل مع هذه الأزمة، يمكن أن يسهم في خلق حالة من الإحباط لدى حلفائها، بما يعزز مقولة أن التعامل الإيراني مع هذه القوى لا يتعدى مجرد أوراق تستخدمها من أجل تحقيق مصالحها وتعزيزها.

بالتالي، تنامي الشعور السلبي لدى هؤلاء الحلفاء بأنها ليست على استعداد للتفريط بأي من منجزاتها الداخلية واستقرار النظام واستمراره في مغامرة ليست محسوبة النتائج مسبقاً. ما يعني أن خيار الذهاب إلى طاولة المفاوضات في ظل الحد الأدنى من النتائج التي تسعى وراءها هو السبيل والطريق الأسلم للبقاء كلاعب على الساحة الإقليمية.

قد يكون النظام الإيراني أو جناح داخله ومن أوساط حرس الثورة، يرغب ويريد الذهاب في المواجهة إلى حدودها العليا والدخول في حرب مع واشنطن واستهداف قواتها مباشرة، ويعتبر هذا الجناح أن الهجوم الصاروخي الذي وقع ضد القواعد الأميركية ليس سوى اختبار بالنار، تمهيداً لضربة أو ضربات مباشرة تكون موجعة وتدفع الولايات المتحدة إلى الرد المباشر، بما يسمح له استدراج النظام وواشنطن والمنطقة إلى المواجهة التي يرغب فيها والتي تحقّق له الهدف الذي يسمّيه “كسر الهيبة للدولة التي تعتبر نفسها إله العالم بلا منازع”.

المعطيات الاولية ومساعي ضبط الردود من الطرفين – الايراني والامريكي- يوحي بان الغلبة المرحلية في اطار الصراع الداخلي بين أجنحة النظام جاءت لصالح الجهات التي تفضل الانحناء أمام العاصفة التي تهدّد باقتلاع النظام، وفي حال استطاع هذا التيار العقلاني الامساك بخيوط القرار ورسم التوجهات، فإن هذا قد يتحول الى حالة إحباط في صفوف المحور الإيراني وإنّ مقولة “أنجُ سعد فقد هلك سعيد” باتت تنطبق عليهم، وأن ايران قد سلكت أول مفترق طرق وجدته أمامها للنجاة والابتعاد عن دائرة.


حسن فحص، كاتب وصحفي لبناني.

مصدر المقال منشور في موقع اندبندنت بتاريخ 9 كانون الثاني/ يناير 2020
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.