المحاكم الروحية وقانون الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية.. قراءة تاريخية

متى نشأت المحاكم الروحية في سوريا؟ ومن الذي أسس لتشكيل مثل هذه المحاكم؟ وكيف تطورت القوانين الناظمة لمثل هذه المحاكم في القوانين الوضعية السورية؟

الأيام السورية؛ المحامية: كفاح زعتري

تحظى العائلة باهتمام جميع الأديان السماوية، وتعتبر نواة المجتمع، بصلاحها يصلح المجتمع، لذا يعتبر الزواج عمل ديني، والرابط بين الزوجين هو رابط شرعي وعلاقة مودة ورحمة. تعتبر الأسرة الوحدة المركزية للمجتمع المسيحي، والزواج سرًا من الأسرار السبعة المقدسة لكونه يشكل أساس العائلة.

وهو أساس عمارة الأرض وبقاء النوع البشري “وفق تعبير الشيخ د. القرضاوي”. ولذلك تكتسب القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية أهمية خاصة، فهي تنظم العلاقات الداخلية للأسرة، بمعنى آخر تمس جوهر الحياة الخاصة. ومن وجهة نظر دينية، “ما يمس شخص الإنسان ويرتبط بحياته الخاصة، تحكمه قوانين فوق وضعية “الشرائع السماوية”. تبعاً لذلك ينظم الأحوال الشخصية “قضايا الزواج والأسرة وما ينتج عنها” قوانين ومحاكم ((شرعية أو مذهبية أو روحية” وإن اختلفت التسمية، فالجوهر واحد. هي محاكم ترتبط بدين أو مذهب وتنظم العلاقات داخل الأسرة ضمن الطائفة بصلاحيات متفاوتة.

المحاكم الروحية تعود إلى عهد السلطان محمد الفاتح

إن كانت المحاكم الروحية وليدة القضاء الكنسي إلا أن تشكيلها في منطقتنا يعود إلى عهد السلطان محمد الفاتح عقب فتح القسطنطينية، كواحدة من الامتيازات التي أُعطيت لطائفة الروم الأرثوذوكس أولاً، ثم إلى الأرمن الأرثوذكس، كنوع من التطمينات لأبناء تلك الطائفة وإزالة الخوف من أن يسيء الفاتحون معاملتهم.

إن كانت المحاكم الروحية وليدة القضاء الكنسي إلا أن تشكيلها يعود إلى عهد السلطان محمد الفاتح عقب فتح القسطنطينية، كواحدة من الامتيازات التي أُعطيت لطائفة الروم الأرثوذوكس أولاً، ثم إلى الأرمن الأرثوذكس، لإزالة الخوف من أن يسيء الفاتحون معاملتهم.

شملت الامتيازات جميع النواحي الإدارية والمالية والقضائية وحق فرض الضرائب على أبناء الطائفة.

لما توطد حكم الدولة العثمانية في بداية القرن السادس عشر، أراد السلاطين إلغاء الامتيازات لعدم وجود ما يبررها، إلا أنهم فشلوا بسبب تدخل الدول الأوربية، حتى أن روسيا فرضت حمايتها على الرعايا الأتراك من أبناء الكنيسة الأرثوذوكسية من خلال معاهدة كوتشوك 1774.

السلطان عبد الحميد الأول وإصدار “إرادة سنية”

رفض المفكرون تلك الامتيازات باعتبارها تمثل مساساً بالسيادة الوطنية، عدا عن الازدواجية بالاختصاص القضائي؛ فالمحاكم الشرعية كانت تقبل دعاوى الخصوم من غير المسلمين حتى في القضايا التي هي من اختصاص المحاكم الطائفية حصراً “قضايا الطلاق”. بالإضافة إلى كون تلك الامتيازات باتت عبئاً على أبناء الطوائف بسبب ظلم بعض الرؤساء لهم.

لكن لم يتمكن سلاطين الدولة العثمانية من إلغاء الامتيازات، على العكس من ذلك، بعد حرب القرم وبضغط من الدول الأوربية الكبرى، اضطر السلطان عبد الحميد الأول إلى إصدار “إرادة سنية” عام 1856 ثبت جميع الامتيازات الممنوحة سابقاً لرعايا الطوائف المسيحية وغيرها من الطوائف غير المسلمة المقيمة في البلاد. لكن قصرت “الإرادة” اختصاص المحاكم الطائفية على بعض الدعاوى المدنية الخاصة، كدعاوى الإرث التي يكون أطرافها من غير المسلمين.

قرارات مختلفة في القضاء التركي العثماني

في الرابع من نيسان سنة 1883أصدرت وزارة العدل التركية بلاغاً تفسيرياً، أُعطيت بموجبه المحاكم العادية اختصاص النظر بدعاوى التركة والوصية للرعايا المسيحيين، عندما يرفض أحد الخصوم قضاء المحاكم الطائفية، بعد ذلك أصدر وزير العدل جودت باشا أمراً منع فيه تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الطائفية في دعاوى الزواج، ثم قراراً آخر منع فيه المحاكم الطائفية النظر في الدعاوى المتعلقة في التعويض عن فسخ الخطبة ونفقة الأصول والأولاد.

وفي تاريخ 25 تشرين أول/ أكتوبر سنة 1917 صدر “قانون حقوق العائلة” الذي ألغى بموجب المادة 156الصلاحيات القضائية لمحاكم الطوائف وأصبحت المحاكم الشرعية هي المرجع القضائي الوحيد المخول في مجال الأحوال الشخصية، وقد قُننت فيه الأحكام الخاصة “بأهل الذمة”.

بعد الاستقلال أُلغيت المحاكم الأجنبية التي أُسست في ظل الانتداب، لكن المحاكم الطائفية بقيت. ونصت المادة 30 من المرسوم التشريعي رقم 80 لعام 1947:تبقى المحاكم الروحية للطوائف غير الإسلامية وصلاحياتها وتنظيماتها القضائية والإدارية خاضعة لأصولها المرعية.

قانون الملك فيصل للتنظيم القضائي في سوريا

بقي هذا القانون سارياً لمدة عام ونصف. على كل الدول التابعة للسلطنة العثمانية، إلى أن أعلنت سوريا مملكة مستقلة عن السلطنة العثمانية، وتم تنصيب الملك فيصل ملكاً عليها.

أصدر الملك فيصل في 19 كانون الثاني/ يناير 1919، القانون المتعلق بالتنظيم القضائي، وبموجبه أعاد الاختصاصات القضائية للمحاكم الروحية كما كانت.

وجاء في المادة 18 من هذا القانون: “…المحاكم الطائفية للطوائف غير المسلمة تحتفظ باختصاصاتها القضائية وبحقوقها كما في السابق.”

المحاكم الشرعية والطائفية في ظل الانتداب الفرنسي

في ظل الانتداب الفرنسي بقيت تلك الامتيازات قائمة، لكن الغموض الذي شاب النص حينها تسبب بتنازع اختصاص بين المحاكم الشرعية والطائفية، اقتضى ذلك أن أصدر المفوض السامي الفرنسي القرار رقم 2978/ 1924 الذي نص على إنشاء محكمة خاصة هي “محكمة الخلافات” للنظر في النزاعات المتعلقة باختصاص تلك المحاكم.

في حزيران 1928 أصدر رئيس الدولة السورية القرار 238 المتعلق بالتنظيم القضائي في سوريا، نصت المادة 69 منه: ” اختصاص المحاكم الطائفية لغير المسلمين تبقى تابعةً بصورة مؤقتة للتشريع النافذ حاليًّا.” وهو الإرادة السنية والقرارات اللاحقة المفسرة لها، والتي لم تحدد أصلاً الاختصاص بشكل واضح.

في 13 آذار عام 1936 صدر عن المفوض السامي الفرنسي في سوريا ولبنان القرار رقم 60/ل.ر المتضمن نظام الطوائف الدينية، وفي الملحق رقم 1 سمّى الطوائف المعترف بها صاحبة الحق بإنشاء محاكمها الخاصة.

المحاكم الروحية للطوائف بعد الاستقلال

بعد الاستقلال أُلغيت المحاكم الأجنبية التي أُسست في ظل الانتداب، لكن المحاكم الطائفية بقيت. ونصت المادة 30 من المرسوم التشريعي رقم 80 لعام 1947: “تبقى المحاكم الروحية للطوائف غير الإسلامية وصلاحياتها وتنظيماتها القضائية والإدارية خاضعة لأصولها المرعية”.

وقد أقر ذلك الدستور السوري عام 1950 في المادة الثالثة التي نصت: “…الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية”. وقد تبنت جميع الدساتير اللاحقة ما تضمنته المادة الثالثة.

مثلما اعترف قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 بوجودها وحدد اختصاصاتها للنظر في دعاوى الأحوال الشخصية لرعايا الدولة التي تتبعها بموجب النصوص الدينية الخاصة بها وفقاً لأحكام المادة (308) منه.
أيضا أقر وجودها قانون السلطة القضائية الصادر عام 1953. نصت المادة 31: “تبقى المحاكم الروحية للطوائف غير الإسلامية واختصاصاتها خاضعة للأحكام النافذة”.

المحاكم الروحية للطوائف المعترف بها في سوريا

بمقتضى النصوص التشريعية، يوجد في سوريا محاكم روحية لدى جميع الطوائف المعترف بها وهي:

الطائفة المارونية، طائفة الروم الأرثوذكس، طائفة الروم الكاثوليك، طائفة الأرمن الكاثوليك، طائفة الأرمن الأرثوذكس، طائفة السريان الأرثوذكس، طائفة السريان الكاثوليك، الطائفة الآشورية الكلدانية، طائفة الكلدان الكاثوليك، والبروتستانت، والطائفة اللاتينية، ومحاكم روحية للطائفة الإسرائيلية (كنيس دمشق وحلب).

المادة 308: يطبق بالنسبة للطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في الخطبة وشروط الزواج وعقده والمتابعة والنفقة الزوجية ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطه والبائنة والحضانة.

قوانين ناظمة

ـ محاكم الأحوال الشخصية تتضمن المحاكم الشرعية والمحاكم المذهبية للطائفة الدرزية والمحاكم الروحية. “المادة 33 من قانون السلطة القضائية”.

ـ استثنت المادة 306 من قانون الأحوال الشخصية رقم 59/1953 من مجال شموله، مضمون المادتين 307 والمتضمنة أحكام تتعلق في الطائفة الدرزية، والمادة 308 المتعلقة في الطوائف المسيحية واليهودية.

ـ المادة 308: “يطبق بالنسبة للطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في الخطبة وشروط الزواج وعقده والمتابعة والنفقة الزوجية ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطه والبائنة (الدوطة) والحضانة”.

ـ يعتبر اختصاص المحاكم الروحية اختصاص استثنائي محدد بشكل حصري، فلا يجوز التوسع به أو القياس عليه، لتعلقه في النظام العام.

ـ اشترط القانون أن يكون لدى الطائفة أحكام تشريعية متعلقة في المسائل المحددة في المادة 308.

ـ تلزم المحاكم الروحية بتطبيق قانون أصول المحاكمات المدنية المعمول به في محاكم البداية. (المادة 33 من القانون98/1961).


المراجع:

1/ قوانين (قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في سوريا/ الأرشمندريت انطون مصلح/ قانون حقوق العائلة العثماني/ قانون الأحوال الشخصية رقم 59/1953/ قانون الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس رقم 23/2004/ قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية رقم 31 لعام 2006/ قانون الأحوال الشخصية للمحاكم المذهبية الإنجيلية في سوريا ولبنان/ نظام الطوائف الدينية الصادر بالقرار رقم 60 ل.ر لعام 1936/ قانون أصول المحاكمات رقم 1 لعام 2016.
2/ دساتير (دستور سوريا 1950/ دستور سوريا الصادر عام 2012)
3/ مراسيم (المرسوم التشريعي رقم 98 لعام 1961/ المرسوم التشريعي 76 لعام 2010/ المرسوم التشريعي 7 لعام 2011)
4/ كتب وأبحاث (المحاكم الروحية/ لوقا جميل لوقا/ المدخل لدراسة النظام القانوني في العهدين العثماني والجمهوري/ د عصمت عبد المجيد بكر/ المحاكم الروحية في سوريا/ رزق الله انطاكي).

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.