المتروكون القدامى

تحكي الروايات تاريخ الشعوب بلا تكلف أو تزوير، وتكون الأجمل منها على الإطلاق تلك التي تحمل أرواح ساكنيها بين صفحاتها فهل وصلت رسالة ثلاثية غرناطة للأجيال اللاحقة؟

خاص بالأيام - نيرمين خليفة

كقارئة مبتدئة مأخوذة بوسائل التواصل الاجتماعي ليس لدي ما يجذبني لقراءة كتاب معين أو رواية أكثر من يوم واحد، فإن عشت الكتاب من صفحاته الأولى يصبح هوسي الصباحي والمسائي حتى أنهيه، وإن كان بَينَ بَينْ سوف أتوقف في منتصفه ليبقى على رصيف الانتظار، وأما إن كان من المستوى الأقل فسوف أُنهي علاقتي به من أول اتصال.

حين بدأت بقراءة رواية ثلاثية غرناطة لم أجدها من أي من المستويات التي ذكرتها، لقد كانت استثنائية؛ لامست شغفي للتاريخ وعشقي للأزقة الضيقة والحارات الشعبية، أثارتني من الصفحة الأولى فيها، تجولت في شوارع غرناطة، حققت حلم مراهقتي بأن أزور ذلك التاريخ القابع في ثنايا ِقببها، وأستنشق عبق المجد الغابر الذي نتضور له جوعاً.

رواية ثلاثية غرناطة للكاتبة المصرية رضوى عاشور من مواليد 1946م، وهي أستاذة جامعية وقاصة وروائية وناقدة أدبية، زوجة الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، ووالدة الشاعر تميم البرغوثي توفيت في نوفمبر 2014م، وتعتبر روايتها ثلاثية غرناطة الأشهر بين كتاباتها، وهي عبارة عن ثلاث روايات على التوالي: غرناطة، مريمة، الرحيل.  وحصلت على عدة جوائز منها أحسن كتاب في مجال الرواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1994م

لوحة للفنان عبد الرزاق الرياني

في ثنايا الرواية؛ ركضت في شوارع غرناطة مرات عدة مع نعيم وحسن، تسللت إلى القبو المُخْبَّأ لأجد الكنز المفقود مع علي ونالني من الدهشة والانبهار ما ناله، حيث كانت كتب والد جده أبو جعفر مُخْبَّأة لا تطالها ألسنة لهب الغاصبين، كادت أن تنتابني النوبة القلبية التي انتابت أبا جعفر الوراق عندما أحرق القشتاليون كتب العرب في غرناطة، انهمرت دموعي مرات عدة وأنا أحمل صُرة ملابسي مع أخوتي المسلمين عرب الأندلس في تغريبتهم الأليمة وتمنيت الموت آلاف المرات على أدراج حَدْرَةْ قبل أن أُفكر بالنزوح والهرب من وطني.

شعرت بلوعة الأم الثكلى عندما كان يُستشهد أي أندلسي صابر آنذاك، اختبأت مع علي في كل الضيع الجبلية التي فَرَّ إليها في تغريبته بعد قتله للجشع خوسيه، وثأره للزيتونة الغريبة بعد أهلها، عَجَنتُ الطحين بملح عيوني في كل مرة مع مريمة وهي تنتظر هشام علّه يعود من فراراه بالجبال، سالت الدماء من قدمي وقلبي وأنا مُهَّجَرةٌ قسرياً مع أهالي غرناطة بعد كل ثورةٍ وبعد كل صفقةٍ يبيعهم بها قادة البلد ورموزها، طليت الدار مع علي وسألتها من أصحابك يا دار وأين هم الآن ولماذا هجروك يا دار.

كنتُ مستعدة للموت معه في قراره الجنوني العودة إلى غرناطة والموت فيها، أو العيش في قبو الجد أبو جعفر في بيت عين الدمع مع كنوز الكتب العربية الطريدة في بلاد الأعاجم، فكرت كما فكر سعد بالهجوم على القشتالتيين المجرمين وهو يرى زوجته سليمة بعد أعوام عدة من الجهاد وبحلم اللقاء تُصلب وتُحرق في ساحة غرناطة بتهمة التخابر مع الشيطان، كم كنت أتمنى أن أملك حينها ذاك الحزام الناسف لأنسفهم معه، فهي الملاذ الوحيد له بعد أن ضمته واحتضنته عائلتها مطارداً من بلنسية.

أصابتني نوبات الجنون مرات عدة مع نعيم عندما عاد ولم يجد سوى حسن ومريمة وحفيدهما علي الصغير أحياء من بين كل الأحبة، حفظتُ رصيف حَدْرَةْ بل وعشقت البيازين وأنا اتمشى فيها يومياً بصدر ضيق يصَّعدُ في السماء مع أبو جعفر أتأمل خِلسةً منه النهر وأشجار التين والزيتون والرمان والجوز والكستناء والنخلة الشامخة، لقد عادت النخلة غريبة فيكِ يا أندلسَ المجد ومات أهلوك وصُلبوا وقُطِّعت أيديهم وأرجلهم لتنتحبي عليهم وحيدة وأنا أنتحب معك لطول غياب أهلي وأحبتي.

600 صفحة عشت فصولها كأحد أبطالها بمشاعرها كاملة، كنت أحد أفراد عائلة أبو جعفر الوراق الذين جسدوا أحداث الرواية منذ بيع أبي عبد الله الصغير غرناطة إلى القشتالتيين حتى اندثار العروبة والإسلام من شبه الجزيرة الايبيرية عن آخره.

هل كانت لغة الكاتبة والمبدعة رضوى عاشور من شدني وسحرني وجعلني أسافر في آلة الزمن لأعيش أمتع وأجمل أسبوع وأكثره حزناً، مع أنها كانت لغة سردية عادية، أم أنه شغفي بالتاريخ وعشقي لحضارة الأندلس وحلمي الطفولي أن أعيش هناك، أم أنها ثورتي؛ ثورة المتروكين من تجعلني أقارب بين ما أعيشه وما أقرأه؟ بل ربما ما تربطني بكل تفاصيل الحياة حباً وبغضاً.

ربما كان وجعنا واحداً، مسلمون مُهَّجرون، أعداء متآمرون، وقادةٌ خونة، ووجهاءُ متسلقون، وتجارٌ مقامرون، نساء ٌمنتظرات في الأزقة الضيقة، وأمٌّ محمولة بين يدي ولدها في رحلة النزوح والتغريبة التي بت أشعر أنها قدرنا في كل رحلة، بيوتٌ تبكي أهلها، شوارعُ غريبة عن المارة، وأسواقٌ ببطاقة عبور زائفة، الأحرار المصلوبون، والإخوة المتخاذلون، خنوع الشعب أم طيبته؟ جبنه أم سذاجته؟

ولا أدري أبكيت أندلساً أم ثورتي، أبكيت البيازين أم حلب؟  

غلاف الرواية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.