المأساة المتجددة في مخيم اليرموك

علي بدوان :_

تَتَجدد المأساة الكبرى في مخيم اليرموك هذه المرة بصورة تراجيدية، مُتخمة بالآلام والجراح، حيث التدفق الجديد نحو اليرموك لعدة آلاف من عناصر تنظيم «داعش»، تُقدر العديد من المصادر أعدادهم بنحو ثلاثة آلاف مقاتل، دخلوا مخيم اليرموك من مناطقه الجنوبية المُتاخمة لمنطقة الحجر الأسود، ومن المناطق الجنوبية الغربية (منطقة القدم والعسالي) والجنوبية الشرقية (جنوب حي التضامن).
التدفق الجديد للأعداد الكبيرة من عناصر «داعش» نحو مخيم اليرموك، أعاد نبش ملف الحالة العامة التي تُحيط بهذا المخيم منذ محنته المُستمرة والقاسية نهاية العام 2012 وصولاً الى اللحظة الراهنة. كما أعاد نَبش ملف الحالة الفلسطينية العامة في سورية في ظل نيران الأزمة المُستعرة، التي القت بظلها على الفلسطينيين المقيمين في سورية في شكلٍ غير مسبوق، حيث باتت أعداد القتلى الفلسطينيين في الأزمة السورية تُقارب نحو أربعة آلاف، سقطوا في ميادين لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
التدفق الجديد لعناصر «داعش» جاء بعد التطورات التي جرت في مخيم اليرموك خلال الشهرين الماضيين، كان منها بوادر حدوث تقارب بين المجموعة الفلسطينية الأساسية المُسلحة داخل المخيم والتي تَحمِلُ اسم «أكناف بيت المقدس» والمجموعات الموجودة في محيطه، ومجموعات العمل الإغاثي التي تتبع بعض الفصائل ومنها حركة «الجهاد الإسلامي»، مضافاً لها عدد من الهيئات المُجتمعية المُستقلة، وذلك في سياق المساعي لإنهاء مأساة مخيم اليرموك وعودة سكانه المُشردين في مختلف المناطق داخل دمشق وفي محيطها، وتحييده عن الصراع الداخلي، وإنهاء أي مظهر من مظاهر السلاح في داخله.
دخول «داعش» الى مخيم اليرموك جاء في سياق إهالة التراب على المساعي التي طالما أطلقتها الفصائل الفلسطينية تحت عنوان «تحييد» الحالة الفلسطينية عن الأزمة السورية، وسبقت ذلك اغتيالات في المخيم طاولت العديد من الشخصيات الفلسطينية الفاعلة في مجال العمل الإغاثي والعمل التطوعي العام، كان أخرهم القيادي في حركة «حماس» يحيى الحوراني (أبو صهيب) وسبقه المسؤول الأول لحركة «فتح» في مخيم اليرموك محمد قاسم طيراوية.
كانت أصابع الإتهام وما زالت تشير الى مجموعات مُحددة، وفقاً للمعلومات المُتسربة ليس من مصادر بعيدة، بل منبعها من الفصائل التي استُهدِفَ العديد من عناصرها بعمليات الإغتيال بما في ذلك حركة «حماس».
هذه التطورات المرتبطة بالأزمة العامة في سورية دفعت باتجاه دخول «داعش» مخيم اليرموك، واستهداف «أكناف بيت المقدس» بشكلٍ عنيف اعتقاداً من التنظيم بأنها (الاكناف) مقربة ومحسوبة على حركة «حماس» داخل المخيم، بعد أن أبدى يحيى الحوراني وقائد «أكناف بيت المقدس» (نضال أبو العلا) جهوداً معروفة لإنهاء ازمة المخيم.
على كل حال، يفترض أن يكون وفد منظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، ويُفترض أن يحمل معه هذه المرة حلولاً ملموسة، للسعي من أجل إنهاء محنة الفلسطينيين في سورية، أو التخفيف من وطأتها على الأقل، خصوصاً بالنسبة الى مخيم اليرموك. فضلاً عن الحلول التي ينتظرها الناس بالنسبة الى قضايا الإغاثة والمساعدة على حل الأزمات الإنسانية التي ما زالت ترافق محنة الفلسطينيين، بما في ذلك حل مشكلة من تبقى منهم في مخيم اليرموك، لجهة تأمين ممرٍ آمن لخروجهم، اذا بقيت مسألة المخيم بلا حل. ففي داخل اليرموك يوجد قرابة 18 الف مواطن، نصفهم من اللاجئين الفلسطينيين من أبناء المخيم، والنصف الآخر من المواطنين السوريين، الذين لا يستطيعون الخروج حتى من المنازل نتيجة عمليات القنص التي تسود في مختلف مناطق اليرموك، وقد سقط قتلى منهم أثناء محاولتهم الخروج من مخيم اليرموك عبر بوابة يتيمة مُتاحة وبصعوبة جنوب شرقي المخيم قرب بلدة يلدا وبلدة بيت سحم. فيما خرج نحو 200 منهم عبر ممر آخر يقع في الجهة الشرقية من مداخل اليرموك الشمالية.
إن مجموع الفصائل الفلسطينية ووفد منظمة التحرير أمام الاختبار من جديد، في السعي لإعادة ثقة الناس بهم، حتى لا يكون الفلسطينيون في سورية أيتاماً بلا مؤسسات تمثلهم، وهم الذين كانوا الرواد والخزان البشري في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
الحياة_

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.