“اللي ما قدر على حماته عض مرته”.. أحكام قضائية ضد مستخدمي تيك توك في مصر

أين تقع الحرية الشخصية، طالما أُعطيت المحاكم سلطة تتبع الصور الشخصية وتقيمها؟ وهل باتت من مهام الدولة والسلطة القضائية مراقبة سلوك النساء في مظهرهن وطريقة تعبيرهن عن أنفسهن؟ وهل الحملة القادمة ستطال النوادي الاجتماعية، والفنانات والأعمال السينمائية ووووو؟

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

تبين لمحكمة جنايات القاهرة، أن حنين حسام (20 عاماً) الطالبة بكلية الآثار، مسؤولة عن إفساد الجيل والاتجار بالبشر، لذا قررت يوم الأحد الماضي 20/6/2021، حبسها 10 سنوات وتغريمها 200 ألف جنيه مصري، والحكم على شريكاتها في الجرم بالحبس 6 سنوات وتغريم كل منهن 200 ألف جنيه.

ألقت الشرطة القبض على حنين في نيسان/ أبريل 2020، بعد نشرها مقاطع مصورة وصفتها النيابة العامة بـ “الخادشة للحياء”. وقررت حبسها احتياطياً 15يوم على ذمة التحقيق، ثم أخلت سبيلها فيما بعد لقاء كفالة مالية.

أحيلت المتهمات الخمس إلى المحاكمة الجنائية بتهم الاعتداء على قيم ومبادئ الأسرة المصرية والمجتمع، واستدراج الفتيات واستغلالهن عبر البث المباشر، وارتكاب جريمة الإتجار بالبشر، ونشر فيديوهات تحرض على الفسق والفجور، فضلا عن الهروب من العدالة ومحاولة التخفي وتشفير هواتفهن وحساباتهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أسندت نيابة الشؤون المالية والتجارية للمتهمتين الأولى والثانية حنين حسام ومودة الأدهم، أنه خلال عامي 2019 و2020 “قامت الأولى بنشر صور ومقاطع مرئية مخلة وخادشة للحياء العام على حساباتها الشخصية على شبكة المعلومات”. سبق وصدر حكم بحق حنين ومودة في تموز/ يوليو الماضي بالحبس سنتين بتهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية. برأتهما المحكمة في بداية العام الحالي وأخلي سبيل حنين في شباط/ فبراير، بينما ظلت مودة خلف القضبان على ذمة التحقيق بجريمة الاتجار بالبشر، الذي صدر فيها الحكم الأخير.

حظي القضاء المصري سمعة جيدة لجهة تطبيق القانون والحكم وفق حيثيات وأدلة ثابتة، بعيداً عن ضغوط معنوية أو مؤثرات مادية، وبعيداً عن الهوى الشخصي. فمن مصر خرج كبار علماء القانون وعلى رأسهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري، المرجع للمحاكم والمحامين. لكن ذاك العهد الذهبي ولَّى مع الأسف ـ مثل كثير من قيمٍ نبيلة عرفتها مجتمعاتنا سابقاً ـ مع انتشار الفساد والمحسوبيات والتطرف والقمع.

صار من السهل توجيه تهم جاهزة وكبيرة، ومن ثم إصدار أحكاماً مبالغاً فيها وتعسفية، وقبل ذلك وابتداء من مرحلة صناعة القوانين وصياغة القاعدة القانونية، التي باتت واسعة ومطاطة بحيث تعطي فرصة للتوسع فيها أو تضييقها حسب الحال واقتضاء مصلحة أولي الأمر، ولوكان على حساب حرية وحتى أرواح الناس. ففي قضية “فتيات تيك توك” لم تبال المحكمة بمستقبل فتيات بمقتبل العمر، تقوم بتدميره بهكذا أحكام جائرة، تعتمد بذلك على مادة بالأصل غير واضحة ولا تشبه بصياغتها المادة القانونية التي يشترط أن تكون واضحة ودقيقة ومحددة وتبين بدقة المراد منها دون زيادة أو نقصان. من المبادئ الراسخة في أغلب النظم القانونية، مبدأ” لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص” ويعني أنه لا يمكن عدّ أي فعل جريمة، ما لم يجرّمه المشرّع مسبقاً، تنتمي القاعدة إلى الثورة الفرنسية، وتعتبر سياجاً للحرية الشخصية.

وهي من المبادئ الدولية، نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتضمنه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. أيضاً منصوص عليها في المادة 95 من الدستور المصري لعام 2014. وهي ضرورة حتى يتسنى للأفراد معرفة الأفعال المعاقب عليها لتجنبها.

أما عبارة “الاعتداء على قيم الأسرة” فالنص ينطوي على جهالة، ويعطي القاضي فرصة لتضمينه ما يشاء من الأفعال، وفق ميوله وتوجهه أو إيعازات السلطات العليا. ومن جهة ثانية أين تقع الحرية الشخصية، طالما أُعطيت المحاكم سلطة تتبع الصور الشخصية وتقيمها. وهل باتت من مهام الدولة والسلطة القضائية مراقبة سلوك النساء في مظهرهن وطريقة تعبيرهن عن أنفسهن. قياساً على الحكم الأخير أتساءل هل الحملة القادمة ستطال النوادي الاجتماعية، والفنانات والأعمال السينمائية ووووو.

أم أن القضية باختصار؛ كبش فدا جديد من نوع آخر والهدف واحد، رسالة تحذير مفادها “اتبع التعليمات العليا ونفذها، رأيك غير مهم وقد يكلفك حياتك، أو مستقبلك”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.