الليرة السورية.. ونصف الألف خمسة آلاف

بعد اتضاح انصهار المجتمع السوري ضمن طبقتين، هما “الغني المتمتع بالمال والنفوذ ـ وفي الغالب ترتبط هذه الطبقة بالنظام ـ، والفقير الطاعن بالحاجة والقهر”، يبرز هنا السؤال الأهم من سينهار أولاً الدولة وما تبقى من مؤسساتها أم المواطن وما تبقى منه؟

الأيام السورية؛ حسين الضاهر

(نص الألف؛ خمسمية)، لا يكاد يوجد سوري لم يعرف هذه المقولة، أو في يوم ما ربت بها على مسامع أحدهم، ليطمئنه بأن كل شيء تحت السيطرة وبأن الحياة أبسط مما يعتقد، فببساطة لم يكن نصف الألف سوى خمسمئة، كما أن من أطلق هذه العبارة لم يفكر بأنها ستكون في زمن قريب، بعيدةً عن الحقيقة، بالطبع كان هذا سابقاً، عندما كانت الليرة تتحدث بصوت عالٍ، وكان مرتب الموظف يمكنه من سد متطلبات حياته ولو بشكل جزئي، أما الآن فقد اختلفت المعادلة الرياضية مع اختلاف الظروف الاقتصادية والمعيشية للشعب السوري وأصبح من الواجب التأني قبل إطلاق هذه المقولة.

خلال السنوات الأخيرة شهدت الليرة السورية عدد من موجات التقهقر، ويرجع هذا لأسباب عديدة لم تعد تخفى على أحد فهي مرتبطة بحالة الحرب التي أوصل نظام أسد سوريا إليها، من خلال تمسكه بالحكم على حساب استقرار الوضع السوري، واستخدامه سياسات التجويع والحصار لإعادة الشعب الثائر إلى حظيرته الدكتاتورية، بينما لا يوفر النظام مناسبة إلا ويرجع فيها أسباب الانهيار الاقتصادي إلى الإرهاب وداعميه وللمؤامرة الكونية التي استهدفت مشروعه التنموي الديمقراطي العتيد.

كما لا يكاد يمرّ شهر إلا وتتلقى فيه الليرة ضربة تهوي من بعدها، ثم تستيقظ لتحاول الحفاظ على موقعها الحالي، وهكذا..

ولن يكون الهبوط الأخير في سعر صرف الليرة السورية هو الأخير، كما لم يكن الأول لاقتصاد يهوي شيئاً فشيئاً باتجاه الانهيار الكامل.

في الأيام الماضية تجاوز سعر الصرف حاجز الأربعة آلاف ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، متجهاً بسرعة جنونية نحو الخمسة آلاف، ثم عاد ليستقر بشكل جزئي، وقد توقع خبراء اقتصاديون تجاوزه للرقم الأخير إن لم يتحرك داعمو النظام لإنعاشه مؤقتاً، كما رافق هذا الهبوط الجنوني ارتفاع لا يقل عنه جنوناً في أسعار السلع، ليقف المواطن في مناطق سيطرة نظام أسد على شفى الانهيار أيضاً، فبحسب مطلعين؛ تجاوزت نسبة الغلاء في السلع الأربعين في المائة خلال الفترة الماضية، مع احتمال تضخمها أكثر في الأيام القادمة، وهذا ما جعل المواطن في حالة ترقب دائمة لسعر الليرة أمام الدولار الذي بات يذكر على ألسنة الناس أكثر من ذكرهم لأسماء أولادهم وأزواجهم، وليصبح كل شيء في دائرة وجود المواطن على ارتباط بالدولار، فيمسي بسعر ويصبح بسعر آخر إلى ما شاء الله.

فبالنسبة لموظف يتقاضى شهرياً 50 ألف ليرة أي ما يعادل 14 دولار، في حين أكدت مصادر اقتصادية موالية أن العائلة المكونة من خمسة أفراد باتت تحتاج ما يقارب الـ 700 ألف ليرة شهرياً لسد احتياجاتها، لذا لن تكفي الخمسين ألفاً المواطن، ثمن علبتي دواء بعد وقوفه يوماً كاملاً في البرد على طابور الخبز أو الوقود، في بلدٍ يعاقبه حتى على النوايا والتفكير، لن يجد خياراً آخر حينها سوى الانهيار بصمت، فماذا سيفعل العامل العادي الذي لن يجد حتى الأربعة عشر دولار تنتظره في نهاية الشهر؟

وتتوالى المشاهد المأساوية التي تصور واقع الفقر والقهر الذي يعيشه المواطنون في مناطق سيطرة النظام، فحالات بيع الأعضاء لم تعد أمراً غريباً، والمشاهد التي تُظهر أطفالاً ونساء ينبشون في القمامة للحصول على ما يسد رمقهم ليست قادمة من إحدى جمهوريات الجوع في إفريقيا، وحتى النكات التي بات يطلقها السوري للترويح عن نفسه باتت مرتبطة بهذه الحالة المأساوية، وباتت أشد إيلاماً من أن نطلق عليها اسم نكات.

كما وقد شهدت الآونة الأخيرة تسجيل عدد من حالات انتحار مواطنين رجع أغلبها لضيق الحالة المعيشية وانحسار خيارات المواطن السوري ضمن دروب أبسطها وأغلاها في الوقت نفسه هو الهروب من سوريا.

طوابير السيارات للحصول على الوقود(الحرة)

وفي هذه الحالة العصيبة التي يمرّ فيها المواطن، ما كان من رأس النظام إلا أن قدم حلوله الجذرية للأزمة الاقتصادية، والتي تمثلت بـ”إلغاء عرض برامج الطبخ لكي لا تزعج السوريين بصور طعام بعيدة المنال”، كما ورد في صحيفة “نيويورك تايمز”، وليس بالغريب على رجالات النظام اقتراح مثل هذه الحلول، فمن انتهج سياسة صم الآذان عند الأزمات، لن يرهق نفسه في التفكير بحل بعيد عن العنف.

وكان مصرف سوريا المركزي قد طرح في 24 يناير الماضي ورقة نقدية جديدة من فئة خمسة آلاف ليرة هي الأكبر حتى الآن، وأعلن حينها أن “الوقت قد أصبح ملائماً وفق المتغيرات الاقتصادية الحالية لطرح الفئة النقدية الجديدة”، وأوضح “المصرف المركزي” أن طرح الفئة الجديدة جاء “بناء على دراسات قام بها خلال السنوات السابقة ووضعه للخطة الكفيلة لتأمين احتياجات التداول النقدي”، فما كان من السوريين إلا استقبال هذا الخبر بوابل من السخرية المريرة، حيث أصبح نصف الألف بالنسبة لهم خمسة آلاف ومن المرجح أن يصبح أكثر من ذلك في ظل انفصال النظام عن واقع الحياة.

وفي النهاية وبعد اتضاح انصهار المجتمع السوري ضمن طبقتين، هما “الغني المتمتع بالمال والنفوذ – وفي الغالب ترتبط هذه الطبقة بالنظام -، والفقير الطاعن بالحاجة والقهر”، يبرز هنا السؤال الأهم من سينهار أولاً الدولة وما تبقى من مؤسساتها أم المواطن وما تبقى منه؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.