الله والإنسان – بقلم ثائر عبود

لطالما كان الإنسان الذي يعيش ضمن قوانين فيزياء وكيمياء الوجود الحسّي ويتفاعل معها من خلال حواسه الجسدية …أسيرا لهذه القوانين ومحكوما بها …
ومن خلال حياته وتفاعله مع محيطه راح يكتشف القوى الطبيعية
التي لا يستطيع التحكم بها أو السيطرة عليها ويخشاها ويخاف من بطشها …
فعبد ابن الكهف …العواصف والزلازل والبراكين وقدّم لها القرابين ليكسب رضاها وتصير حياته أفضل ….وهذا بحد ذاته بحث ذكي عن مخرج أو طريقة للبقاء والاستمرار بحكم الغريزة الحيوانية التي هي جزء من تكويننا ككائنات يفترض أن تكون أكثر عقلنة من الدوابّ الأخرى …
ثم بحكم استمراريته وتطور تجاربه المستفادة وتطور بنيته العصبية والنفسية والدماغية …راح ينتقل إلى نظريات أكثر ملائمة وتماشيا مع حالته الجديدة المتطورة …فراح يعبد الأسلاف وأرواح الأجداد الذي كانوا في نظره القدوة والمثال ….
ثم في مراحل لاحقة …راح يبتدع أشكالا مادية ترابية كانت أو من مواد أخرى وهي عبارة عن تصاوير للآلهة التي يريدها أن تبقى معه في حلّه وترحاله …فرحنا ننحت زيوس ..وعشتار …وهيرا …وبوسيدون..وغيرهم الكثير …
فصار الإله عبارة عن قوة عظيمة وجبروت كبير …يحتفظ به الإنسان في بيته أو حقله …أو حتى في جيبه ليؤمن له الراحة النفسية والشعور بالأمان ….لكي يستمر في صراعه مع المحيط….
من بين هذه الجموع…ومن داخل هذا القطيع ….خرج أشخاص قليلون…..أدركوا أن خلف هذه الآلة المسماة الجسد ….قوة خفية …حين تخرج منه يصير جيفة نتنة …خاوية من الحياة ….
ومن خلال التفكير والتأمل ….وبالعقل وحده ….
استطاع بعضهم أن يشق لنفسه طريقا مغايرا …ونظرية جديدة …مختلفة ….تحكي عن الروح …. والقوى الخفية …
وذلك في حدّ ذاته نتيجة حتمية أيضا لتطور قدراته العقلية وقدرته على التحليل والمحاكمة المنطقية …
وهنا بدأت رحلة الإنسان في البحث عن ….القوة الأكثر جبروتا وسطوة ….والتي لا تهزم ….ولكنها بذات الوقت عادلة ورحيمة …فهي تجمع في داخلها …إله الحرب …والحب …وإله البحار …والزلازل ….وإله الحقل …ورب المواسم الخصبة …وتجمع كل المتضادات والمتناقضات …في كيان واحد …متفوق على كل شيء …ومتحكم بكل شيء ..
وهذه القوة …إن استطعنا حصرها ضمن جسد…أو احتواها الزمان والمكان …فهذا ينتقص من قدرتها ويجعلها من الممكن أن تتعرض للشيخوخة بحكم الزمن….أو العجز بحكم وجودها في مكان واحد …وعدم وجودها في مكان آخر بنفس الوقت….
فكيف سيحمي هذا الكيان …في المجتمع المشاعي الأمومي ….ربة المنزل …التي كانت في ذلك الوقت هي المسيطرة …
وبنفس الوقت يحمي رجلها في رحلته إلى الصيد !!!
فلا بد أن تكون خارج إطار الزمكان …
وهنا بدأ ظهور الأنبياء ….
في كل حقبة كان هناك رجل أو امرأة …يتميز بالعقل والحكمة و تلافيف دماغية أعقد من غيره…وربما قوة روحية أكبر …
هؤلاء لم يكونوا رسلا يحملون تشريعات ورسالات من السماء …بل أنبياء …وعلى سبيل المثال : اليسع وذي الكفل والياس ويوشع وعمران وعددهم المحصور تاريخيا مائة ألف وأربع وعشرين ألف …نبي ….
ثم ظهرت الرسالات السماوية ….والتي حملها أناس عرفوا بشدة تميزهم واختلافهم عن محيطهم …
فجاؤوا برسالات تشريعية وتنظيمية لحياة البشر الذين أصبح عددهم ضخما جدا…وكان لا بد من تشريع حكيم ينظّم لهم علاقاتهم فيما بين الأفراد والقبائل والعشائر وغيرها من الكيانات …
وكانت كل الرسالات التي جاءت ….فيها ما يشبه الإشارات والرموز والألغاز ….وفيها ما هو بسيط وواضح وليس بحاجة للفهم والتفكير …
أما عن رسالات السماء وحديثها عن كينونة مصدرها فقيل :
هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله
وفي الإنجيل قيل: لا تحلف بالسماء لأنها عرش الله ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه !!
وأيات أخرى تصف الرب :
يد الله فوق أيديهم …..الرحمن على العرش استوى …
يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود …
وأينما توليتم فثمّ وجه الله ….
وهي بلا أدنى شك ….أيات رمزية …ودلالات معنوية …لا يقصد بها أن الله له عينين ويدين ويجلس على كرسي …
وهنا طرأ …طارئ على مفهوم الذات الإلهية عند البشر …واختلفت مفاهيمهم على اختلاف عقولهم وبنيتهم النفسية والعصبية …
وبحكم وجود الذاكرة التاريخية المنتقلة عبر الجينات …عاد البعض ليجد في بعض هذه المقولات ما يطابق نظريات نائمة في الشق الخلفي من دماغه والتي لم تستطع ان تتقبل فكرة الإله الغائب الغير محسوس والغير ملموس ….وهذا ربما يعود كما أسلفت إلى ضعف في عقل المتلقي أو تعلّقه المادي المنحصر في المحسوسيات المرتبطة بالحواس البدائية التي يتمتع بها أي مخلوق دون الإنسان …
وهكذا نشأت نظريات حلول الذات الإلهية في الجسد البشري …وظهورها للعيان …ومن اللافت أن هذه النظريات كانت تتواجد بعد رحيل الجسد الذي من المفترض أن الرب استخدمه للظهور فيه ..!!
إذ لم تكن موجودة ..حين كان موجودا معنا ..!!
وقد وجدت من خلال البحث وإعمال العقل …كما أمرتنا الرسائل السماوية ….أن هناك كثير من الدلالات التي تشير إلى نظريات أخرى ومنها :
هو أقرب إليكم من حبل الوريد !!
وما من نجوى اثنان إلا وهو ثالثهما !!
وقول يسوع كلمة الله : هاهو ملكوت الله هنا بداخلكم !!!
وإذ رفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة !!
وحول هذه الآية تحديدا هل كانت موجهة لكل البشر أم لحفنة قليلة منهم …؟ وإن كان الطور المقصود هو الجبل المعروف …فماهو المقصود ب خذوا ما آتيناكم بقوة ؟!!!
ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية !!!!
وهل يحتاج الرب إلى هؤلاء الثمانية لكي يحملوا له عرشه لكي يجلس عليه !!!
إذا في الرسالات السماوية إشارات رمزية عميقة الدلالات وعظيمة المعاني ولكنها كالماء الصافي ….الذي يمكن أن يتلوّن بلون عقل المتلقّي ….
يقول يسوع الناصري عليه السلام: إذا صليتم فقولوا أبانا الذي في السماء …..الخ …
ثم في حديث آخر يقول : أبي الذي في السماء أرسلني ….
فقالوا هو يدّعي انه ابن الله بالجسد وهذه هرطقة ..!!
وهو لم يقل ذلك بل قال ما يشبه قول النبي محمد ص : الناس عيال الله …الخ …
وهنا اختلط مفهوم الروحاني بالجسدي …وتفاوتت قدرة البشر على فهم الرسالة بحكم اختلاف مشاربهم ومناهلهم المعرفية وبالضرورة لاختلاف قدراتهم العقلية كما تختلف بصمات أناملهم .
ختاما أقول : إن المعلم قد شرح الدرس مرارا وتكرارا ….فأوضح بعضه للبسطاء ….وألغز بعضه لأصحاب العقول …واعطى لكل ذي حق حقه ..ولم يحمّل الناس ما لاطاقة لهم به من العلم والمعرفة …بل كانت الجرعة مناسبة لكل تلميذ على قدر طاقته …
واختلاف فهم التلاميذ للدرس ….لا يعني أن في الرسالة علّة ….بل في مستقرها وليس في منطلقها …
وأرى أن الذي أرسل المعلمين قد أوفى بحجته على الناس …واكتفى من التعليم ….فقال : أفلا يعقلون
وإلى اللقاء يوم توزيع الجلاءات
أخوكم ….ثائر عبود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.