الله كبير.. عندما لا يدلل الشيء على الشيء

لماذا تكون هناك انطباعات عامة وقبول جمعي لآلية تتحكم بفهمنا رغم معرفتنا بنقيضها؟ هل قبولنا للمظهر الجيد مثلاً، ناتج عن إدراك استسهالي عام بأن ذلك الشخص أكثر انفتاحاً وعمقاً وحرية؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

بعيداً عن الميتافيزيقا، أو التوجه الفكري للأشخاص ومستوى قناعاتهم السماوية والأرضية، لكن في الثقافة التربوية هناك بعض العلامات الأزلية التي لا يمكن محوها، من أمثال “الله كبير”؛ استخدام قد يأتي في كثير من الأحاديث وفي مواقف عديدة، ويستخدمه الجميع، دون تقديم تفسيرات لما تؤمن به حقيقة، بمثال تقريبي عندما تقول بأنك جائع فهذا لا يعني – في كثير من الأحيان – أنك جائع حقاً، بل يعني، نوع من المزاج السيئ الذي تريد أن تغيّر به روتين لحظي تعيشه، فبإمكانك تناول شيء ما وأنت تقف أمام الثلاجة طويلاً كتمثال رخامي أبله، مفكراً ببلادة “لماذا فتحت الثلاجة حقاً!”. فقولك جملة الله كبير، تأتي في نفس المغزى الاعتيادي للذهن، كما فتح الثلاجة اعتياد سلوكي.

فعل الشيء لا يدلل على جوهره

في حياتنا فعل الشيء أو قوله لا يدلل على جوهر الشيء، لأننا لا نستخدمه كثقافة فردية، بل كاجتياح جمعي للمفهوم، تماماً مثل مخالفة الظاهر للباطن فيزيائياً، فالأناقة والمظهر الجيد لا يعني انفتاح معرفي وعقلي، وعدم الاكتراث بالشكل لا يعني انغلاق وتزمت.

الجميع في اللاوعي والوعي يعلم هذه الحقيقة، لكن مع ذلك هناك انطباعات عامة وقبول جمعي لآلية تتحكم بفهمنا رغم معرفتنا بنقيضها، قبولنا للمظهر الجيد مثلاً، ناتج عن إدراك استسهالي عام بأن ذلك الشخص أكثر انفتاحاً وعمقاً وحرية.

ما هذه الآلية الاجتياحية التي تتحكم بعقولنا ومفاهيمنا رغم معرفتنا لعدم صحتها في كثير من الأحيان!.

في حياتنا فعل الشيء أو قوله لا يدلل على جوهر الشيء، لأننا لا نستخدمه كثقافة فردية، بل كاجتياح جمعي للمفهوم، تماماً مثل مخالفة الظاهر للباطن فيزيائياً، فالأناقة والمظهر الجيد لا يعني انفتاح معرفي وعقلي، وعدم الاكتراث بالشكل لا يعني انغلاق وتزمت.

البحث عن السهل اللفظي والحركي

قد يبدو الأمر مرتبط بالبحث عن السهل اللفظي والحركي، باعتبار الإنسان، كمعنى فلسفي، كائن كسول رغم ما يتصف به من ذكاء واجتهاد في جانبه العملي، لكنه كسول فلسفياً بالمعنى الخيالي، وطبعاً لا نقصد بالكسل البلادة، بل كسر السرعة العملية في الذهن وإعطاء العقل قدرة التأمل، فالكسل الفلسفي هو السرد في الابتكار. إن واحدة من مميزات الإنسان عن باقي الكائنات هو قدرته على اختبار الخيال وتفعيله. ويظهر هنا سؤال يبدو متناقضاً للقارئ، كيف يمكن تفعيل الخيال بتوحيد النسق اللغوي أو الفيزيائي؟.

إنه بالضبط عدم تدليل اللفظ والفعل الذي نقوم به على قيمته الحقيقية، إننا نترك للاوعي البناء. مثلاً عندما تسأل شخصاً “كيف حالك؟” فيجيبك إن كان جيداً أم لا “جيد”، فغير مهم بالنسبة لك أو للآخر شرح تراجيدية أو كوميدية الجودة والحياة مقارنة مع المساحة الصامتة التي تنتج بعد إنهاء الحديث بكلمة جيد.

هذه المساحة الصامتة الناتجة عن عدم التدليل الحقيقي على الشيء، تتيح للعقل بناء غامض من الخيالات التي قد تصيب وقد تُخطئ. اللاوعي هو الذي يرسم هذا البناء ويعطيه أماكن وأحداث وشخوص في دماغك لتبني عليها آلية اجتماعية تتحول إلى سلوك واعي في المستقبل في علاقتك مع ذلك الشخص.

عندما تقول لشخص أنك تحبه، فأنت فعلياً تعطيه مجالاً تخيلياً للبناء المستقبلي، وليس لأن اللفظ هو المغزى. العقل لا يتعامل مع الأشياء بهذه الصورة السطحية، إنه أبعد من الواقع الآني وإن بدا بالفطرة أنه كذلك.

جميع المفاهيم والسلوكيات والمنطوقات والمجردات والممارسات ليست سوى أشكال من عدم التدليل على المعاني الحقيقية وإعطاء العقل خاصية البناء الخيالي للمستقبل الذي نتبعه إلى ما لا نهاية.

تقسيم الخيال

من الصحيح أن الإدراك الآني للغة المنطوقة والفعل تحدد وعياً مكانياً وزمنياً حسياً ليُشكلا الذاكرة التي تؤلف شكل التصارع الوجودي وماهيته بالنسبة للإنسان، لكنها تتعامل مع المعطى اللحظي الذي يمارس فكرة البحث عن الماهية الآنية لعمل قطيعة مع الماضي الذي لا نسيطر عليه، هي عملية استغراق كلي في اللحظة لقطع الماضي كلياً، وعدم التدليل على جوهر الشيء للسماح بالمستقبل في البناء الخيالي، فحتى إدراكنا اللحظي لا هدف تدليلي له سوى تقسيم الخيال إلى ماضي متلاشي ومستقبل لا نعلمه.

عندما نمسك كتاباً لا نعلم جوهره، فإننا نعطيه قيمة نابعة من فكرة الكتاب نفسه، ندلل عليه كمعنى مادي ذو أبعاد هندسية مادية فقط وتتخيلها الثقافة البشرية أنها معنى فلسفي، بأقوال من قبيل (الكتاب خير جليس، الكتاب شمعة في ظلام البشرية) وما إلى هنالك من ثقافات عامة لا تدلل على جوهر الكتاب، نحن نتعامل مع الفكرة في حدودها المادية، كما قلنا الهندسية والفيزيائية المادية، وما إعطائنا له ذلك البعد الفلسفي القائم سوى لمحاولة البشرية تقديم رؤاها الجاهزة لمعنى وجودها الآني، وبالمقابل نسمح للخيال ببناء عالم مستقبلي حول ذلك الكتاب الذي لا نعرفه، لشيء ربما بنسبة 99،99 % قد لا يصح تخيلنا حوله.

فكرة الكتاب هي المثال الأكثر قرباً لعدم التدليل على الشيء أو معناه أو جوهره مقارنة بالتخيل المستقبلي حوله.

جميع المفاهيم والسلوكيات والمنطوقات والمجردات والممارسات ليست سوى أشكال من عدم التدليل على المعاني الحقيقية وإعطاء العقل خاصية البناء الخيالي للمستقبل الذي نتبعه إلى ما لا نهاية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.